«سياستنا تجاه أميركا والاستكبار العالمي وقوى الشر لن تتغيّر»، و«لن نتخلى عن دعم الشعوب المظلومة في المنطقة بغض النظر عن مصير الإتفاق النووي مع الدول الكبرى». عنوانان عريضان وضع خلالهما مرشد الثورة الإسلامية الأمور في نصابها. أعاد عبرهما تحديد أولويات إيران وثوابت سياستها، ومعهما قواعد الاشتباك في المنطقة. وفي الوقت نفسه، دق المسمار الأخير في نعش أي رهان خارجي على فتنة في الداخل، وأي رهان داخلي على رافعة من وراء البحار للسيطرة والهيمنة وتغيير الاتجاه.


حديث مسهب جاء على مرحلتين، الأولى في خلال خطبة عيد الفطر، والثانية خلال استقباله المهنئين بالعيد، أكد فيه أن نقطة التقاطع الوحيدة التي جعلته يقبل التفاوض مع أميركا كانت النووي وفقط لما فيه مصلحة لإيران، في خطوة براغماتية إنما تؤكد على مبدئية طهران على المستوى الاستراتيجي، ملمّحاً إلى أن في تفاهم فيينا نقاطاً لا يمكن قبولها.
كثيرة هي حقول الألغام التي عبرها خامنئي بإيران على مدى الأعوام الـ٢٧ الماضية، مذ تسلم الأمانة من الإمام الخميني. لعل فتنة عام ٢٠٠٩ كانت الاختبار الداخلي الأخير الأصعب.

الجمهورية الاسلامية لن تخضع لمطالب العدو مطلقا، في مجال صيانة القدرات الدفاعية والأمنية
وحدها عباءته هي التي احتضنت الجميع، وجنبت البلاد ما لا تحمد عقباه. إلى أن فاز الرئيس حسن روحاني بانتخابات عام ٢٠١٣ بشعار تحسين الوضع المعيشي والاقتصادي عبر رفع العقوبات عن طريق التفاوض مع الاستكبار العالمي. لم يكن وقتها من مجال سوى لإعطاء الفرصة للحكام الجدد لاختبار برنامجهم السياسي على أرض الواقع، ولكن ضمن ضوابط تمنع الشطط، ودعم يحصن الإدارة الجديدة من هجمات المعارضين. بل أكثر من ذلك. كان حريصاً على وضع إطار نظري يعطي المشروعية السياسية والفقهية لهذه المبادرات التفاوضية، أطلق عليها وقتها اسم «المرونة البطولية»، التي يعتمدها المصارع في الحلبة من أجل الفوز من دون أن ينسى ولو لحظة واحدة أن الطرف المقابل خصم يريد القضاء عليه.
تدحرجت الأمور بسرعة، من اتصال هاتفي بين باراك أوباما وروحاني خلال زيارة الأخير إلى نيويورك، إلى جولات السير على الأقدام بين جون كيري ومحمد جواد ظريف، مع ما رافقهما من اشتعال للجبهة الداخلية في صفوف الأصوليين. كان هاجس خامنئي مزدوجاً على الدوام: تحصين الجبهة الداخلية في مواجهة مؤامرات الأعداء، ودعم الفريق المفاوض بما يضمن له تحقيق الحد الأقصى من النتائج. كل ذلك في ظل تشكيكه الدائم في نيات الطرف الآخر، وفي إمكانية الوصول إلى نتيجة مرضية، مع التحذر على نحو مستمر من غدر الأميركي، ومن عدم التزامه المواثيق والعهود. مع الأخذ بالاعتبار أن المرشد، بحكم موقعه، يسمو على الجميع، وأنه فوق التيارات جميعها. يرسم الخطوط العريضة ويحدد الأهداف من دون أن يتدخل في التفاصيل.
سبق للفريق الأصولي أن خاض مفاوضات استمرت نحو أربع سنوات، ووصلت عام ٢٠١٢ إلى اتفاق بين سعيد جليلي وكاثرين أشتون، يقول البعض إنه كان أفضل لإيران من تفاهم فيينا، من دون أن يثار كل ذلك الضجيج، وتخرج كل تلك التأويلات، ولم يخش أحد من اصطفاف إيران الجيوسياسي، ولا من وحدتها الداخلية. الجديد هذه المرة كان في طبيعة الفريق المفاوض، وفي مقاربته للملف. فريق ينتمي إلى مدرسة ترى أن الصراع مع أميركا والغرب لا يمنع من التورط الإيجابي في مفاوضات وحوار معهما. ترى أن الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة خاضا حرباً باردة استمرت أربعة عقود ونيف، ولم تقفل السفارة الأميركية في موسكو أبوابها، ولا فعلت السفارة السوفياتية في واشنطن. تعتقد بأن حواراً كهذا يمثّل متنفساً للرئة الاقتصادية الإيرانية، ويفسح في المجال لحل الكثير من الملفات العالقة عن طريق طاولة التفاوض.
مشكلة هذا الفريق وهذه المدرسة أن فيهما تياراً من جماعة «إيران أولاً»، يعتقد بأن انخراط الجمهورية الإسلامية في صراعات المنطقة، ودفاعها عن الشعوب المظلومة، حمّلا إيران أكثر مما تحتمل من دون أي عائد على مصالحها القومية، بل جعل الشعب الإيراني يدفع ثمن قضايا لا ناقة ولا جمل له فيها.
مهما يكن من أمر، فإن المشاهد التي كانت ترد من جنيف فيينا وغيرها من العواصم التي استضافت مفاوضات إيران مع السداسية خلال العامين الماضيين، أحيت كل هذا التباين، ومخاوف الأطراف، كما طموحات بعضها أيضا، وأثارت حيرة وإرباكاً في صفوف أعداء إيران وأصدقائها.
الحكومة السورية ترفع شعار الصمود أمام الصهاينة وتجعل أهدافها ونيّاتها التصدي لهم

كان لا بد لخامنئي من مبادرة توحد الطيف الداخلي على ثوابت تجمع عليها الأطراف كلها، وتسد الفجوات التي يمكن أن ينفذ منها أعداء إيران إلى الداخل، فكانت «الخطوط الحمراء» الشهيرة: تقييد الأنشطة النووية وتفتيش المنشآت واستجواب العلماء، مشترطاً لتوقيع أي تفاهم رفع العقوبات فوراً. إلى أن تصاعد الدخان الأبيض وعاد المفاوضون من فيينا. استمهل ثلاثة أيام تاركاً المجال أمام الجميع لاستيعاب ما حصل، والتفريغ عن الشحنات العاطفية التي أثارتها الآمال برفع وشيك للعقوبات، مع ما يترتب على ذلك من انعكاسات إيجابية متوقعة على الوضع الاقتصادي. اكتفى بشكر جهود الفريق التفاوضي والتحذير من خبث الأعداء، والتأكيد على ضرورة الوحدة الداخلية إلى أن جاء يوم العيد وخطبته المعتادة فيه.

أضغاث أحلام

شدد خامنئي على أن «إيران الإسلامية واجهت الدول الست الكبرى التي اضطرت للاعتراف بحقها في الطاقة والصناعة النووية»، لافتاً إلى أن «الموافقة على الاتفاق النووي ستكون عبر الخطوات الدستورية والقانونية». وأضاف «هذا النص سواء أجَرت الموافقة عليه أو لم تجرِ، فلن نسمح لأي جهة باستغلاله والمساس بالمبادئ الأساسية للنظام الاسلامي، وستجري المحافظة على القدرات الدفاعية، وإن البلاد، وإن الجمهورية الإسلامية لن تخضع لمطالب العدو مطلقاً، في مجال صيانة القدرات الدفاعة والأمنية».
وقال خامنئي إن «الأميركيين يزعمون بأن إيران سوف تستسلم .. لكن هذا حلم لا ولن تراه الإدارة الأميركية». وأضاف أن «إيران الإسلامية لا، ولن تستسلم أمام طموحات وأمنيات الأعداء، ونحن لن نتخلى عن أصدقائنا، كما لن نسمح لأي أحد بخرق المبادئ الدستورية للبلاد»، موضحاً «أننا لن نتفاوض مع أميركا في قضايا المنطقة لأن سياستي البلدين مختلفتان بالكامل في هذا الإطار، كما لن نتوقف عن دعم الشعوب في فلسطين وسوريا واليمن والعراق ولبنان، وسواء جرى الاتفاق النووي أم لا». وأضاف أن «رؤساء جمهورية في الولايات المتحدة كانوا يُمنّون أنفسهم بهزم إيران ... لكن أمنياتهم باتت أضغاث أحلام»، مؤكداً أن «إيران الإسلامية لا ترحّب بأي حرب ... لكن إذا حصلت فإن من سيخرج منها منهزماً، هو أميركا».
وتوجه خامنئي إلی الفريق النووي المفاوض قائلاً «إننا نتوقع أن يأخذ المعنيون مصالح البلاد والمصالح القومية بعين الاعتبار، وأن يستطيعوا أن يسلموا (ما حققوه) إلی الشعب، وهم مرفوعو الرؤوس أمام الباري عز وجل». وأضاف أن «ما جاء علی الورق يعني اقتدار الشعب الإيراني، وهذا تحصّل علی أثر صمود ومقاومة الشعب، وبسالة وايثار علمائنا الأعزاء». وكان خامنئي حريصاً على التأكيد على أنه «سواء جرت الموافقة علی هذا النص أم لا، فإننا لن نتخلی عن دعم أصدقائنا في المنطقة»، مضيفاً أن «الشعب الفلسطيني المظلوم واليمن والحكومة والشعب في سوريا والعراق والشعب البحريني المظلوم والمجاهدين الصادقين في لبنان وفلسطين سيحظون بدعمنا علی الدوام».

١٨٠ درجة

وقال خامنئي «کما قلنا مراراً فإنه ليست لدينا محادثات مع أميركا بشأن القضايا الدولية والإقليمية المختلفة والقضايا الثنائية، وقد عقدنا محادثات أحياناً في حالات استثنائية تأسيساً علی المصلحة، مثل القضية النووية، ولم تكن هذه الحالة وحدها».
لكن خامنئي أكد أنه «مع هذه المفاوضات والنص الذي أعد، فإن سياستنا لن تتغير فی مقابل الحكومة الأميركية المستكبرة في مطلق الأحوال ... أن السياسات الأميركية في المنطقة تختلف عن سياسات الجمهورية الإسلامية بنسبة 180 درجة». وأضاف، متخذاً العراق مثالاً على ذلك، أن «سياسات الاستكبار في هذا البلد تقوم على تدمير حكومته المنبثقة عن رأي الشعب، وعلى تأجيج نيران الصراع بين الشيعة والسنة، وفي النهاية تقسيم العراق، إلا أن سياسة الجمهورية الإسلامية الإيرانية حيال هذا البلد تقوم على دعم الحكومة المنبثقة عن أصوات الناخبين، وحمايتها والصمود في مواجهة عناصر تأجيج الحرب الداخلية، والخلافات، والحفاظ على وحدة الأراضي العراقية».
وفي الشأن السوري، رأى خامنئي أن «سياسة الاستكبار في هذا البلد تقوم على فرض الاملاءات الخارجة عن تطلعات الشعب، وإسقاط الحكومة التي تقف في مواجهة الكيان الصهيوني بحزم ووضوح، إلا أن موقف إيران في المقابل يقوم على احترام موقف هذه الحكومة التي ترفع شعار الصمود أمام الصهاينة وتجعل أهدافها ونيّاتها التصدي لهم، وتَعدّ ذلك يصب في مصلحة العالم الإسلامي».
كذلك هو الحال في الشأن اليمني. قال خامنئي إن «أميركا دعمت رئيساً قدم استقالته وفر من بلاده متنكراً بزي النساء في أشد الظروف حساسية، من أجل صنع فراغ سياسي، ودعا بلداً آخر للعدوان على شعبه ودعم ارتكاب المجازر ضد الأبرياء والأطفال وتدمير البنى التحتية في اليمن، وقد مدت أميركا يد الصداقة لأكثر الأنظمة استبداداً، الذي لا يسمح لشعبه حتى بمجرد الاستماع إلى كلمة انتخابات، وفي ذات الوقت تلصق تهمة الاستبداد بالجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي مزج نظامها منذ تأسيسه حتى الآن بالانتخابات على مدى أربعة عقود».

أشرف قوى الدفاع الوطني

وفي ما يتعلق بلبنان، قال المرشد إن «النظام الاستكباري وعلى رأسه أميركا لاذ بالصمت بل شعر بالرضى إزاء احتلال الكيان الصهيوني الغاصب أجزاء كبيرة من الأراضي اللبنانية، إلا أنه حين بادرت المقاومة المؤمنة والمضحية، التي تعد من أشرف قوى الدفاع الوطني على الصعيد العالمي، إلى مواجهة المحتلين الصهاينة وتصدت لهم وطردتهم من أرض لبنان وصف الاستكبار هذه القوة بالإرهابية وتآمر لتدميرها».
وأكد خامنئي أن «سبب دعم الجمهورية الإسلامية الإيرانية للمقاومة اللبنانية يعود إلى بسالتها وتضحياتها وصمودها الحقيقي في مواجهة المعتدين»، موضحاً أن «الأميركيين يطلقون لفظ الإرهاب على المقاومة اللبنانية، ويصفون إيران بأنها تساند الإرهاب، بسبب دعمها لحزب الله في لبنان، إلا أن الإرهابيين الحقيقيين هم الأميركيون أنفسهم، الذين صنعوا داعش، ويقدمون الدعم للصهاينة الخبثاء، وينبغي مقاضاتهم على دعمهم للإرهاب».
وخلص خامنئي إلى أن «الأميركيين يتهمون حزب الله بالإرهاب، وليس هناك ما يفوق عدم الإنصاف هذا، وفي المقابل فإنهم يدعمون الكيان الصهيوني القاتل للأطفال، فكيف يمكن الدخول في محادثات مع دولة كهذه، والتوصل إلی اتفاق معها؟».
وأكد خامنئي أن «شعارات الشعب الإيراني أظهرت توجهاته، وفي اليوم العالمي للقدس أطلق شعارات «الموت لإسرائيل» و«الموت لأميركا»، ولم يقتصر الأمر علی طهران أو المدن الكبری فقط، بل إن كل أرجاء البلاد شهدت هذه الحركة العظيمة».




ظريف وصالحي أمام مجلس الشورى غداً

بينما من المنتظر حضور وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، ورئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية علي أكبر صالحي، أمام مجلس الشورى، يوم غد (الثلاثاء)، لتقديم تقريرهما عن حصيلة المفاوضات النووية في فيينا، وصف الرئيس حسن روحاني نص الاتفاق بأنه «رابح رابح».
وقال روحاني في كلمة أمام عدد من كبار المسؤولين، أول من أمس، إن القبول بحق تخصيب اليورانيوم ورفع الحظر والاستمرار في الأبحاث والتطوير، يعدّ من «أهم النجاحات» التي تحققت في هذا الاتفاق. وأشار في الحديث الذي جرى لمناسبة عيد الفطر، إلى أن الفريق النووي الإيراني المفاوض کان في «غاية الحزم في القضايا الفنية والقانونية والسياسية». كذلك، لفت الرئيس الإيراني، عبر حسابه الرسمي على موقع «تويتر»، إلى أنه تحدث هاتفياً مع أمير قطر، وعبّر عن اعتقاده بأن الاتفاق النووي سيحسن العلاقات مع دول الجوار.
في غضون ذلك، وصل وزير الاقتصاد الألماني، زيغمار غابرييل، إلى إيران مع وفد اقتصادي، أمس، ليكون بذلك أول سياسي غربي رفيع المستوى يزور البلاد، بعد التوصل إلى الاتفاق النووي مع الدول الكبرى. وقال غابرييل، قبل بدء زيارته، إن «الاتفاق الذي تم التوصل إليه في فيينا وضع الأساس لتطبيع العلاقات الاقتصادية مع إيران»، مضيفاً أن «الشرط المسبق لذلك هو أن الخطوات التي وردت في الاتفاق تنفذ الآن».
(الأخبار)