تقدّمت ألمانيا خطوة، أمس، باتجاه الخروج من أزمتها السياسية بعدما تخلّى الاشتراكيون الديموقراطيون عن معارضتهم المبدئية للدخول في ائتلاف حكومي مع المستشارة أنغيلا ميركل.

ويأتي إعلان رئيس «الحزب الاشتراكي الديموقراطي»، مارتن شولتز، غداة لقاء مع الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير وبعد اجتماع ليلي استمر ثماني ساعات وجمع قادة الحزب الرئيسيين، طالب بعضهم رئيس الحزب بأن يكون أكثر مرونة.

وقال شولتز، في تصريح صحافي مقتضب: «هناك أمر يجب أن يكون واضحاً: إذا كانت هذه المحادثات ستؤدي، بشكل أو بآخر، إلى المشاركة في تشكيل حكومة، فسيكون على أعضاء حزبنا التصويت» على ذلك. ولا تزال نيّات «الاشتراكي الديموقراطي» غير واضحة، فقد يناقش «تحالفاً كبيراً» جديداً مع المحافظين من حزب ميركل، أو تقديم الدعم لاحتمال تشكيل حكومة أقليات تترأسها ميركل. إلا أن المستشارة لا تفضّل الطرح الثاني. وشدد شولتز، الرئيس السابق للبرلمان الأوروبي، على أنه «لن يكون هناك شيء بشكل تلقائي»، مشيراً إلى «أسابيع» مقبلة من المحادثات. وأراد شولتز، أيضاً، التهوين من خطورة الوضع السياسي في البلاد المحرومة حالياً من أكثرية حاكمة، فقال إن «ألمانيا لا تعاني من أزمة حكم، لكننا في وضع معقد».


بغياب ألمانيا فاعلة سيتعرّض إصلاح الاتحاد الأوروبي للكثير من العثرات


ويُعتبر هذا التغيير في الخط السياسي تراجعاً بالنسبة إلى شولتز الذي، منذ النتائج المحرجة التي حصدها في الانتخابات التشريعية في 24 أيلول، يتّخذ موقفاً معارضاً في المبدأ لتجديد الائتلاف السابق تحت رعاية المستشارة.
وقد أجبر هذا الرفض ميركل على محاولة التفاوض من أجل إجراء تحالف صعب في الأصل، مع «الخضر» و«الليبراليين»، في مساعٍ باءت بالفشل في 19 تشرين الثاني. وواجه شولتز دعوات لتجنّب انتخابات مبكرة، حتى من ضمن حزبه، إلا أنه تجاهلها حتى يوم أمس. وقال وزير العدل السابق هايكو ماس إن «الحزب الاشتراكي الديموقراطي لا يمكن أن يتصرف مثل طفل مستاء»، في حين برّر شولتز تحوّله هذا بأنه إنما يتجاوب مع «نداء» رسمي تلقّاه من الرئيس شتاينماير، وهو وجه اشتراكي ديموقراطي مُحترم يحاول أن يلعب دور الوسيط لتجنّب إجراء انتخابات مبكرة. لكن شولتز غيّر موقفه، أيضاً، عندما كثرت الانتقادات، قبيل مؤتمر حزبه الذي يُعقد من 7 إلى 9 كانون الأول، ويترشح خلاله شولتز إلى منصب رئاسة الحزب.
ومن المتوقع أن يُعقد الأسبوع المقبل لقاء أول، يجمع المستشارة وحليفها البافاري رئيس الاتحاد المسيحي الاجتماعي هورست سيهوفر وشولتز، تحت رعاية الرئيس الألماني. وقد يتم تمديد المفاوضات، إذ إن الدستور الألماني لا يحدّد مهلة لتشكيل الحكومة بعد الانتخابات التشريعية. وفي هذا الوقت، لا تزال ميركل مكلّفة بإدارة الشؤون الجارية.
وفي حال فشل المحادثات بين «المحافظين» و«الاشتراكيين الديموقراطيين»، سيكون من الصعب على ألمانيا تجنّب الانتخابات المبكرة، وهو أمر غير مسبوق في تاريخ ما بعد الحرب في البلاد. لكن إجراء مثل هذه الانتخابات محفوف بالمخاطر، لأن المشهد السياسي في ألمانيا شهد زلزالاً سياسياً، بعد الانتخابات التشريعية في 24 أيلول، مع دخول مرشحين من اليمين المتطرف إلى مجلس النواب، الأمر الذي حرم البلاد تشكيل أكثرية حاكمة. وقد تكون نتائج الانتخابات الجديدة أفضل بالنسبة إلى حزب «البديل لألمانيا»، الذي تعهّد بأنه لن يتوقف عن مهاجمة ميركل، بحسب استطلاعات الرأي. وتراقب أوروبا عن كثب التطورات في ألمانيا، لأنه بغياب ألمانيا فاعلة سيتعرّض إصلاح الاتحاد الأوروبي للكثير من العثرات والتباطؤ.
(الأخبار، أ ف ب)