واشنطن | يبدو أن التشابه الأكثر بروزاً بين مصر وباكستان هو سطوة الجيش ونفوذه في الحياة السياسية والاقتصادية. وإذا كانت مصر، منذ عام 1952، مجتمعاً يحكمه العسكر كما يقول المفكر المصري أنور عبد الملك، فالحال هي نفسها تقريباً في باكستان التي شهدت، منذ انفصالها عن الهند وإعلانها دولة إسلامية في 14 آب 1947، تولّي أربعة جنرالات رئاسة الدولة: المشير محمد أيوب خان، الجنرال يحيى خان، الجنرال محمد ضياء الحق والجنرال برويز مشرف.


وفي المجال الاقتصادي، الحال متشابهة أيضاً، فالجيش المصري يملك مؤسسة اقتصادية واسعة تعمل في التجارة والمقاولات والإنشاءات، ويحظى جنرالاته المتقاعدون بفرص العمل في الشركات، سواء في القطاع العام أو الخاص والمناصب العليا في الدولة، وكذلك نظيره الباكستاني، حيث يستفيد الضباط العسكريون المتقاعدون من عقود أمنية، وخصوصاً في بعض المناطق التي تشهد تنافساً كبيراً في باكستان، ما يثير مخاوف جديدة من استشراء المحسوبية والفساد.
وفي تموز 2016، أُبلغ مجلس الشيوخ الباكستاني بأن القوات المسلّحة تدير أكثر من 50 كياناً تجارياً تبلغ قيمتها أكثر من 20 مليار دولار، بدءاً من محطات توزيع الوقود إلى مصانع صناعية ضخمة وبنوك ومخابز ومدارس وجامعات ومصانع جوارب وألبان ومزارع أعلاف ومصانع إسمنت. الجيش له حصة في كل كعكة، ويعدّ اليوم أكبر تكتل ضمن كل الأعمال في باكستان. ومع ذلك، فإن المجوهرات في تاج الجيش هي ثمانية تجمعات سكنية في ثماني بلدات رئيسية، حيث تُخصّص الأراضي الرئيسية في تجمعات مشذّبة جيداً وبلدات مدنية أفخم في حوزة هذه المجتمعات لأفراد عسكريين بأسعار مدعومة للغاية. حتى الجوائز العسكرية ترتبط بمنح الأراضي الزراعية وقطع الأراضي السكنية للأفراد العسكريين.


يعود تنامي نفوذ الجيش الباكستاني في سياسات بلاده إلى قدراته المالية


ويقول الفريق المتقاعد في الجيش الهندي كمال دافار، في كتابه القوات المسلّحة ومصالحها، إن ثقافة الاستحقاق بدأت في الجيش الباكستاني خلال زمن المشير أيوب خان، عندما بدأ تقليد منح الأراضي لضباط الجيش (حجم التخصيص بحسب رتبة الضابط) في المناطق الحدودية للبنجاب، وفي المستعمرات المروية حديثاً في السند. كذلك، أنشأ الجنرال ضياء الحق طريقة جديدة لإشراك الضباط العاملين في المشاريع التجارية، عن طريق وضع أراضٍ عسكرية ومجمعات عسكرية وتوفير الخدمات اللوجستية لقادة الفيالق العسكرية الإقليمية. وهكذا، استفاد العديد من كبار ضباط الجيش من فرص الحصول على قطع أراضٍ متعدّدة في مختلف المعسكرات لأنفسهم، بأسعار مدعومة للغاية. وأثارت هذه الخصائص الرئيسية، في وقت قريب، المحسوبية في التخصيص والفساد في أوساط البيروقراطية العسكرية والمدنية.
ويوضح دافار، الذي كان أول مدير للمخابرات العسكرية الهندية، أنه بعد تخصيص قطع الأراضي في المناطق الرئيسية، أصبح من الشائع أن يقوم ضباط الجيش ببيع حصصهم من الأراضي بأسعار باهظة للمدنيين من ذوي الثراء. وسرعان ما شارك الجيش في إنشاء عدة مؤسسات ظاهرياً لمساعدة موظفي الخدمة المتقاعدين. وقد توغلت هذه المؤسسات، تقريباً، في جميع قطاعات الاقتصاد، ودفعت الجيش تدريجاً إلى أصحاب مصالح تجارية رئيسية في الاقتصاد الباكستاني. ويدير الجيش مشاريعه الاقتصادية على ثلاثة مستويات، مع وجود وزارة الدفاع على رأس الشبكة العسكرية الاقتصادية.
وتسيطر وزارة الدفاع على أربعة مجالات رئيسية، هي: «مقر الخدمة»، «قسم الأراضي العسكرية»، «المجمعات العسكرية» و«مؤسسة فوجي» (المعروفة أيضاً باسم مجموعة فوجي) و«الرانجرز»، وهي قوة شبه عسكرية. وتكتسب إدارة الأراضي والمقاطعات العسكرية، الأراضي المخصصة لمقر الخدمة الذي يوزّعها على الأفراد. وللخدمات الثلاث مؤسسات مستقلة للرعاية، يسيطر عليها مباشرة كبار ضباط الدوائر المعنية. كما يشارك الجيش في منظمات القطاع العام، مثل: الخلية الوطنية للوجستيات، منظمة الحدود الدولية ومنظمة الاتصالات الخاصة التي يسيطر عليها الجيش. وقد وضعت هيئة تنمية المياه والطاقة تحت السيطرة العسكرية في عام 1998، حيث يشارك في عملياتها حتى الآن أكثر من 35 ألف فرد.
ولا تدير وزارة الدفاع الباكستانية مباشرة الأنشطة الاقتصادية للمنظمات الخاضعة لسيطرتها، لكنّها أداة لتعبئة الموارد، وإضفاء الشرعية على الأنشطة التجارية، وغيرها من الأنشطة الاقتصادية المختلفة لمنظماتها، وحتى التشكيلات الميدانية والوحدات التي تدير العديد من المشاريع التجارية الفرعية بشكل مستقل. وبالإضافة إلى ذلك، هناك أربع منظمات فرعية تشارك في الأنشطة الاقتصادية للجيش. وتشمل هذه المؤسسات: «مؤسسة فوجي»، «صندوق رعاية الجيش»، «مؤسسة شاهين» (لموظفي القوات الجوية الباكستانية المتقاعدين) و«مؤسسة بهريا» (لأفراد القوات البحرية المتقاعدين). وهذه المؤسسات، التي يسيطر عليها مقرّ خدمات كل منها، يديرهاعسكريون متقاعدون. وتوزّع الأرباح المستحقة من المشاريع التجارية لهذه المنظمات على جميع المساهمين، الذين هم عسكريون متقاعدون. وهي تشارك في مشاريع مثل الأسمدة وتصنيع الاسمنت وإنتاج الحبوب والتأمين والمؤسسات المصرفية والتعليم ومعاهد تكنولوجيا المعلومات، إلى جانب خدمات المطارات ووكالات السفر والشحن وخدمات الموانئ ومصائد الأسماك في أعماق البحار.
ويؤدي نفوذ وزارة الدفاع دوراً حيوياً في تأمين عقود العمل في القطاع العام والمدخلات المالية والصناعية، بأسعار مدعومة للغاية. وفي السنوات الأخيرة، اكتسبت الأرباح التي حققها العسكريون المتقاعدون أبعاداً جديدة، مع توفير خدمات أمنية للمقاولين الأجانب في مناطق أمنية حساسة، مثل المناطق القبلية الخاضعة للحكومة الاتحادية. ويتبع ذلك النمط الذي فرضه المقاولون الأمنيون الأجانب في أفغانستان المجاورة.
وثقافة الاستحقاق تزداد قوة يوماً بعد يوم. وقد تمّ تعيين العديد من كبار ضباط الجيش كسفراء وحكام أقاليم، وفي وظائف بيروقراطية أخرى رفيعة المستوى في باكستان. وواصل الجنرالات الذين تعاقبوا على قيادة الجيش، ممارسة تعزيز امتيازاتهم وامتيازات موظفيهم والمتقاعدين، مع قبول الحكومات المدنية ذات الصلة، على مضض، جميع مطالب القوات المسلحة، سواء كانت عادلة أو غير عادلة.
إن تنامي نفوذ الجيش الباكستاني في سياسات بلاده الذي يتجاوز بكثير المسائل الاستراتيجية والأمنية، يعود أساساً إلى قدرات الجيش المالية المستقلة غير الخاضعة للمساءلة. فمنذ عهد أيوب خان، عمدت معظم الحكومات المدنية إلى تجنّب الصدام مع الجنرالات الأقوياء، وحتى معظم أعضاء المجتمع المدني الباكستاني وبرلمانييه تجاهلوا عمداً بناء إمبراطورية الجيش الاقتصادية. الوحيد الذي شذ عن ذلك ــ إلى حد ما ــ كان ذو الفقار علي بوتو لفترة قصيرة، لكنه دفع حياته ثمناً لذلك على يد قائد الجيش ضياء الحق، عام 1979.