في الوقت الذي لا تزال تتفاعل فيه قضية اتهام مايكل فلين مستشار الأمن القومي السابق للرئيس الأميركي دونالد ترامب بالكذب على مكتب التحقيقات الفدرالية في قضية التدخل الروسي، أكد ترامب، أول من أمس، أن فلين لم يقترف أي شيء غير قانوني، أثناء الفترة الانتقالية بين فوزه بالرئاسة وتنصيبه. وكتب الرئيس الأميركي في تغريدة على موقع «تويتر»: «اضطررت إلى إقالة الجنرال فلين لأنه كذب على نائب الرئيس واف بي آي. لقد اعترف بالكذب. هذا مُحزن لأن ما قام به أثناء الفترة الانتقالية كان قانونياً. لم يكن هناك شيء ليخفيه».


إلا أن المطلعين على الملف سارعوا إلى تحليل صياغة التغريدة، لأن البيت الأبيض ركز فقط حتى الآن على أنّ فلين كذب على نائب الرئيس مايك بنس، في وقت لمّح فيه إلى أنه كان على علم بكذبه على المحققين الفدراليين. وكان المدير السابق لـ«اف بي آي» جيمس كومي قد أكد، أثناء جلسة استماع بداية حزيران 2017، في مجلس الشيوخ، أن ترامب قال له في 14 شباط في البيت الأبيض، غداة إقالة فلين: «آمل أن تجدوا طريقة للتخلي عن هذا (الأمر) وترك فلين وشأنه، إنه رجل جيد». وتساءل المسؤول السابق للمسائل الأخلاقية في الإدارة الأميركية والتر شوب على موقع «تويتر»: «هل تقرّون بأنكم كنتم تعلمون بأن فلين كذب على الاف بي آي، عندما طلبتم من كومي تركه وشأنه؟». وبعدما كان ترامب قد تجنّب التعليق على المسألة، عاد ونفى صباح السبت «أي تواطؤ» بين فريقه الانتخابي والكرملين، مؤكداً أنه ليس قلقاً إزاء المعلومات التي يمكن أن يكشفها فلين.
من جهة أخرى، استبعد الـ«اف بي آي» نائب مسؤول مكافحة التجسس لديه بيتر ستروك، والذي كان يؤدي دوراً أساسياً في التحقيق في تدخل موسكو، وذلك بعد العثور على رسائل نصية معادية لترامب، بحسب ما أكد مكتب مولر السبت. وكتبت صحيفة «نيويورك تايمز» أن ستروك «كان يعتبر أحد أكثر المحققين خبرة، ويمكن الوثوق بهم في مكافحة التجسس لدى اف بي آي». وكان ستروك قد شارك، أيضاً، في التحقيق في الرسائل الإلكترونية للمرشحة الديموقراطية السابقة هيلاري كلينتون. إلا أن ستروك كان خلال تلك الفترة على صلة بمحامية في مكتب التحقيقات الفدرالي، بحسب «واشنطن بوست». ويبدو أنهما تبادلا رسائل نصية مناهضة لترامب، وأخرى مؤيدة لكلينتون.
لكن التحقيق الذي يقوم به مولر يشكل تهديداً للرئيس الـ45 للولايات المتحدة. وفي حال تمكُّن مولر من إثبات حصول تواطؤ، لا يمكن استبعاد بدء إجراء إقالة.
وفي هذا السياق، عرضت صحيفة «نيويورك تايمز» عشر نقاط مزلزلة بالنسبة إلى الإدارة الأميركية ربطاً باتهام فلين بالذنب بالكذب أمام مكتب التحقيقات الفدرالي (اف بي آي). ونشرت الصحيفة مقالاً للمحامي السابق هاري ليتمان ــ نائب مساعد المدعي العام والمحاضر في كلية الحقوق في جامعة كاليفورينا في لوس أنجلس ــ قال فيه إن اعتراف فلين واستعداده للشهادة قد يؤديان إلى اتهام الرئيس الأميركي دونالد ترامب نفسه بعرقلة العدالة، وإلى خروج القضية برمّتها إلى مسرح الفضائح السياسة الكبرى.
وأضاف أن هذه القضية ستأخذ مكانها في كتب التاريخ إلى جانب فضيحتي «ووترغيت» و«إيران كونترا». أما النقاط الحاسمة فقد لخصها في عشر نقاط، أهمها أن مولر يعتقد أن لديه ما يكفي من الأدلة لإدانة فلين بشأن قائمة طويلة من التهم الجنائية، بما في ذلك غسل الأموال والبيانات الكاذبة.
كذلك، إن معضلة فلين أكبر من تلك التي حلّت بمدير حملة ترامب السابق بول مانافورت، الذي اتهمته السلطات بالتآمر على الولايات المتحدة في قضية التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية. وقضية فلين تضعه في خانة جورج بابادوبولوس، أحد مستشاري حملة ترامب، الذي كان مكلفاً السياسة الخارجية، والذي أقرّ واعترف في 5 تشرين الأول الماضي بتقديم إفادة كاذبة للمحققين، بل إن فلين كان المستشار الأعلى ومركز الاتصالات مع روسيا، وقريباً من محاولة ترامب المحتملة لعرقلة العدالة.


استُبعد نائب مسؤول مكافحة التجسس بعد العثور على رسائل نصية معادية لترامب


ورأى الكاتب أن فلين قد أصبح الشاهد الرئيسي للادعاء، لكن اعترافه بالكذب على مكتب التحقيقات يُعَدّ التهمة الأولى، فالمدعون العامون هددوه بتوجيه اتهامات أخرى له، وأنه لذلك على استعداد لفعل أي شيء يطلبه منه فريق المحقق الخاص مولر.
ويقول المحامي السابق هاري ليتمان إن تهمة فلين بأنه مذنب بالكذب تعَدّ مذهلة وصادمة، فهو يعترف بأنه في كانون الأول 2016، أو قبل مراسم تنصيب ترامب، كان قد طلب من السفير الروسي لدى الولايات المتحدة عندئذ سيرغي كيسيلياك أن يمتنع عن الرد بقوة على العقوبات التي فرضتها إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما على روسيا، وأن روسيا وافقت، وأن السفير الروسي أخبر فلين أن بلاده اختارت أن تجعل ردها على العقوبات معتدلاً، وذلك من أجل التودد لإدارة ترامب المقبلة.
وأوضح الكاتب أنه إذا شهد فلين في هذه القضية، فإن هذا يكشف عن جريمة أخرى، بالإضافة إلى عرقلة العدالة. والأدهى أن القضية ستخرج من أروقة المحاكم الجنائية لتدخل إلى مسرح الفضائح السياسية التاريخية الكبرى، ما يشير إلى سوء استخدام السلطة، كما حدث في فضيحتي «ووترغيت» و«إيران كونترا».
ويقول الكاتب إن فلين طلب من روسيا التدخل في الأمم المتحدة لمصلحة إسرائيل، فهو يعترف بأنه في 22 كانون الأول 2016 كان قد طلب من السفير الروسي كيسيلياك تأخير أو إبطال قرار مجلس الأمن الدولي، الذي يدين إسرائيل إزاء سياساتها الاستيطانية، وهو القرار الذي قررت إدارة أوباما تمريره. وأشار الكاتب إلى أن اعتراف فلين ينذر بالخطر الشديد لمجموعة متعددة من الناس في محيط الرئيس ترامب، وأبرز هذه الشخصيات التي سيطاولها الخطر والتهديد، جارد كوشنر كبير مستشاري ترامب وزوج ابنته إيفانكا.
كذلك، إن شهادة فلين ضد ترامب قد تزيد من إمكانية توجيه تهمة عرقلة العدالة إلى ترامب، وذلك عندما طلب ترامب من رئيس مكتب التحقيقات السابق جيمس كومي إيقاف التحقيق مع فلين، بالإضافة إلى أكاذيب ترامب في هذ السياق، وفضلاً عن أن عرقلة العدالة تعَدّ جريمة لا يمكن مقاومتها. ورأى الكاتب أن هذا الأمر ترك القليل من الأوراق لدى المدافعين عن ترامب.
(الأخبار، رويترز، أ ف ب)