طهران | کسر الإعلان النووی في فيينا المحظور. بدأت حملات الحج الاقتصادي إلى العتبات التجارية الإيرانية، وأول الوافدين كانت ألمانيا التي تلقفت الإشارات المالية للأسواق الإيرانية. بسرعة «مرسيدس بنز»، حط وزير الاقتصاد الألماني رحاله في العاصمة طهران، يرافقه أكثر من ستين شخصية تجارية ومديرو كبرى الشركات، على رأسها «سيمنز».

العرق الألماني الآري حنّ إلى الدم الآري الإيراني، فكانت الرحلة الاقتصادية الأولى بعد الإعلان النووي. قطاع النفط والمعادن والطاقة والإلكترونيات تضاف إليه صناعة السيارات، هدفٌ نصب أعين برلين التي تحاول قطف ثمار الإعلان النووي قبل أن يسبقها إليه أحد. وللمناسبة، فإن شركة «سيمنز» كانت تتولى بناء محطة بوشهر، قبل تدميرها في الحرب الإيرانية العراقية، ثم انسحبت من بناء المفاعل، بعد دخول الروس على خط إعادة بنائه وإنجازه.

قبل عام 2005، كان حجم التبادل التجاري بين ألمانيا وإيران نحو أربعة مليارات يورو ليصل إلى ما دون ملياري يورو نهاية 2013، بفعل الحظر النووي الذي فرض على إيران. أما اليوم، فيجري الحديث عن صادرات ألمانية إلى إيران ستصل في نهاية 2019 إلى 10 مليارات.
عين برلين على النفط الإيراني ومصادر الطاقة والبتروكيماويات والمشتقات النفطية؛ فالزيارة أتت تلبية لدعوة من وزير النفط الإيراني بيجن زنغنه، وأول لقاء عقد للوفد كان في وزارة النفط ثم في وزارة الطاقة، وبعدها في الصناعة والمعادن.

الشركات الصينية لم تلبّ طموح إيران في استثمار مخزونها من الغاز

يوضح ترتيب الزيارة، كلياً، الأولويات التي وضعها وزير الاقتصاد الألماني للبدء بعملية العودة إلى الأسواق الإيرانية، خصوصاً أن برلين تحتضن حوالى مئتي ألف تاجر إيراني، أو من أصول إيرانية، على المستويات كافة.
في هذا المجال، سيكون للجنة العلاقات التجارية المشتركة الدور الأبرز في إعادة ضخ المشاريع والاستثمارات بين البلدين، لكن بعض المعطيات تشير إلى أن الزيارة الألمانية تهدف، خلف الكواليس، إلى حجز مكان متقدّم في الغاز الإيراني، وإمكانية الحصول على عقود بأسعار تنافسية تسدّ حاجة برلين إلى هذه المادة الحيوية؛ فإيران ستعمل على تطوير حقولها النفطية والغازية، خصوصاً أن السنوات العشر الماضية أثرت في عمليات التنقيب والاستخراج، بعد انسحاب الشركات الأجنبية العملاقة من البلاد ودخول بعض الشركات الصينية التي لم تستطع تلبية الطموحات الإيرانية في استثمار الغاز بما ينتاسب مع المخزون الإيراني، وهو ثاني أكبر احتياطي في العالم بعد روسيا.
ما ستحمله هذه الزيارة لن تظهر نتائجه قبل بداية الربيع المقبل، وسيعمل خلالها الجانبان على رسم الخطوط العريضة للتعاون وإجراء برامج وخطط وإعدادها للتنفيذ، فيما يتوقع أن تنطلق فور رفع الحظر وتطبيق الاتفاق، بعد ستة أشهر من الآن.
المشكلة الأساسية هي في إعادة هيكلة النظام الاقتصادي المتضرّر جراء العقوبات؛ فالبنوك الإيرانية عليها أن تعود إلى فتح حسابات في سويسرا، كما كان عليه الأمر قبل الحظر. ولعودة المصارف الإيرانية إلى سويسرا، على دول الاتحاد الأوروبي أن توافق على هذا الأمر، ما قد يستغرق قليلاً من الوقت، إضافة إلى أزمة تعديل وتحديث النظام المصرفي الإيراني، ليتماشي مع القوانين المالية العالمية، ثم يمكن الحديث عن تبادل مالي عادي بين طهران ودول العالم.
في المحصلة، وبغض النظر عن الكلام الإعلامي الذي صدر وسيصدر عن زوار طهران، فإن نظام الحظر الذي ضرب الاقتصاد الأوروبي أوجع، أيضاً، من التزمه ومن وافق على فرضه، وهذا الكلام كشفه وزير الخارجية الأميركي جون كيري، عندما قال إن نظام العقوبات قد تهاوى، فأوروبا بحاجة إلى أسواق إيران ونفطها وغازها.
ورغم العقوبات، فإن أحدث التقنيات والسيارات والكماليات كانت تصل إلى إيران بطرق شتى، وما رفْع الحظر إلا اعتراف بقدرة إيران التي صمدت أمام سنوات من العزلة الاقتصادية، لتفتح أسواقها، اليوم، بشروط تحددها وتسمح لدول بالعودة إلى بازاراتها. دول كانت على امتداد سنوات الأزمة تقول لطهران: «قلوبنا معكِ وسيوفنا عليك».