أمهل الادّعاء العام في أوكرانيا، أمس، الرئيس الجورجي السابق (2004 ــ 2013)، ميخائيل ساكاشفيلي، 24 ساعة لتسليم نفسه للسلطات، بعدما تمكّن من الهرب من مركز احتجازه، بعيد إلقاء القبض عليه في شقّته، في حادثة شكّلت إذلالاً وإحراجاً حقيقيين للسلطات الأوكرانية، ورأى البعض أنّها محاولةُ حشدٍ انتخابيّة من قبل الرئيس بيترو بوروشينكو، قبل انتخابات عام 2019.


ونجح ساكاشفيلي، الذي تحوّل إلى رمزٍ للمعارضة ضدّ الرئيس بوروشينكو، في الفرار بمساعدة أنصاره الذين احتجّوا في الشارع وحاولوا منع سيارة تابعة للشرطة من المغادرة، بعيد اقتياده من قبل ضباط ملثمين من شقّة سكنية في العاصمة كييف. وإثر قيام المئات من أنصاره بمحاصرة السيّارة التي كانت تنقله، خرج ساكاشفيلي منها، بمشهد دراميّ، وتوجّه نحو البرلمان يرافقه أنصاره، فيما كانت جموع غفيرة تحيط بسيارة الشرطة.
وعبر مكبّر للصوت، حثّ ساكاشفيلي مناصريه، بعدما أخرجوه من السيارة، «على بدء احتجاج سلمي لعزل بوروشينكو. يجب ألا تخشوا شيئاً». ووصف ساكاشفيلي، في كلمة ألقاها على أنصاره من سطح منزله في وقتٍ سابق، بوروشينكو بأنه «لصّ خائن»، مضيفاً أن «ما يقومون به خارج على القانون في أعين العالم بأسره... أحثّ الأوكرانيين على الخروج إلى الشوارع وطرد اللصوص».
واعتقل ساكاشفيلي بعد ساعات على تفتيش منزله في كييف، في إطار قضية جنائية يعتبرها مختلقة بالكامل، بناءً على أوامر الرئيس الأوكراني. ويُشتبه في أن ساكاشفيلي أراد «الاستيلاء على السلطة بالقوة» خلال تظاهرات احتجاج على الفساد، كما قال المدّعي العام يوري لوتسينكو، الذي اتهمه من جهة أخرى بالحصول على تمويل من الرئيس الأوكراني السابق فيكتور يانوكوفيتش، المخلوع في 2014 بعد «انتفاضة» مؤيدة لأوروبا في كييف.
وبعد تمكّن ساكاشفيلي من الفرار، رأى المدّعي العام في البرلمان، يوريي لوتسينكو، أن ذهاب ساكاشفيلي «شخصياً إلى محقّقي جهاز أمن أوكرانيا من الساعة التاسعة صباحاً فصاعداً»، اليوم، يمكّنه من «مساعدة البلاد التي يحبّها على تفادي صدمات غير ضرورية»، مضيفاً أنه بعد هذه المهلة، ستقوم «منظومة إنفاذ القانون في أوكرانيا بكل ما هو ضروري لمثول ميخائيل ساكاشفيلي أمام المحققين».
ويعدّ هذا التطوّر الأخير الأعنف بين الرجلين بعد خلاف طويل الأمد بينهما، بعد عودة ساكاشفيلي إلى أوكرانيا. وعاد ساكاشفيلي إلى كييف من الولايات المتّحدة عقب «الثورة» الموالية للغرب التي حصلت في البلاد عام 2014. وقام الرئيس الأوكراني بيترو بوروشينكو، صديق ساكاشفيلي منذ أيام الدراسة في الثمانينيات، بتعيينه حاكماً لمنطقة أوديسا الجنوبية.


تعتبر الحملة ضد «الجورجيين» صورةً للسلطوية المتزايدة للحكومة
لكنّ خلافاً وقع بين الرجلين العام الماضي، استقال على إثره ساكاشفيلي من منصبه، متّهماً بوروشينكو بالفساد وتعطيل الإصلاحات في البلاد. وفي تموز الماضي، جرّد بوروشينكو ساكاشفيلي من جنسيته الأوكرانية، طارحاً احتمال طرده إلى جورجيا حيث هو مطلوب بتهم إساءة استخدام موقعه في السلطة. وعند إعلان ذلك، كان ساكاشفيلي في الولايات المتحدة، لكنه عاد إلى أوكرانيا عبر اختراقه للحدود مع العشرات من أنصاره.
وقبل مدّة وجيزة، أطلق ساكاشفيلي حزبه السياسي الخاص، واعتصم مناصروه، في الفترة الأخيرة، أمام البرلمان، في احتجاج مستمرّ حتى الآن ضدّ الحكومة. ويوم الأحد الماضي، طالب الآلاف ممن شاركوا في تظاهرة في وسط كييف، بعزل بوروشينكو.
بدورها، مارست الحكومة ضغطها على المعارضين، إذ قامت بترحيل بعضٍ من أنصار ساكاشفيلي إلى جورجيا. وفي الآونة الأخيرة، ورغم قوله إنه غير مهتمّ بالسلطة، طرح ساكاشفيلي فكرة استعداده لتشكيل حكومةٍ جديدة.
وتعتبر الحملة ضدّ «الجورجيين» صورةً أخرى من صور سلطويّة الحكومة في أوكرانيا، عدا عن تمثيلها حالة الضعف والتشتت التي تعيش فيها. وهذا المنحى السلطوي بات يظهر أكثر في الفترة الأخيرة على المستويات العليا في السلطة.
ووفق المحلل السياسي ميخائيل ميناكوف، لصحيفة «لوموند» الفرنسية، فإن «بوروشينكو قد يفعل أيّ شيء للفوز في انتخابات عام 2019»، مضيفاً أن ذلك يتظهر بـ«زيادة الضغط على منافسيه وبزيادة سلطته على حكام المناطق في البلاد أو عبر الدفع بسياسة قومية وشعبوية ظهرت بدعوته إلى استفتاء بشأن دخول أوكرانيا إلى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي». وشكّل الحدث الذي حصل، أمس، المثل الأكثر وضوحاً لتدهور طريقة حكم بوروشينكو كجزء من حملته لانتخابات عام 2019. وتمثّل كذلك تلك القطيعة الواضحة بين السلطة الأوكرانية التي ترى الصحّة والحكمة في إصلاحاتها البطيئة ولكن «الجدية»، وبين من يرون أن الدولة لم تضرب بيد من حديد الفساد المتفشّي في مناحٍ عديدة فيها.
(الأخبار)