واشنطن | يبدو أن سياسة صبّ الزيت على النار هي ما يطبع تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وكبار مساعديه، التي تتعلق بمنطقة الحوض العربي ــ الإسلامي. فما إن فجّر قرار ترامب بإعلانه القدس المحتلة عاصمة للكيان الإسرائيلي ونقل سفارة بلاده إليها، حتى فاجأ مستشارُه للأمن القومي هربرت ماكماستر، مستمعيه، بإدانته تركيا وقطر كراعيين رئيسيين لما سمّاه «إيديولوجيا التطرف الإسلامي».


وقال في ندوة جمعته مع نظيره البريطاني مارك سيويل، نظمها في واشنطن معهد أبحاث السياسات البريطاني «بوليسي إكسشينج»، إن مشاكل تركيا المتزايدة مع الغرب تعود في حدٍّ كبير إلى صعود «حزب العدالة والتنمية» في أنقرة. وقد استدعت تصريحات ماكماستر استنكار وزارة الخارجية التركية التي وصفتها بالمزاعم التي لا تدعم سوى «الأيديولوجيات الراديكالية». وما دعا إلى استغراب الحضور، أن هجوم ماكماستر انصبّ على بلدين حليفين للولايات المتحدة، تركيا العضو في «حلف الناتو»، وقطر التي تستضيف مقرّ القيادة المركزية الأميركية.
واتهم ماكماستر تركيا بأنها تزيد من تورطها في كل مكان، معرباً عن قلقه بأنها «تسير على خطى السعودية في السبعينيات، وعلى خطى قطر أخيراً، في دعم جماعات يخلق وجودها الظروف التي تسمح للتطرف بالازدهار». ولفت إلى أن مبعث قلق البيت الأبيض سببهُ تحوّل تركيا وطريقة عمل حزبها الحاكم إلى أنموذج تستلهمه حركات الإسلام السياسي بسعيها إلى الإمساك بالسلطة، مشيراً إلى أن سلوك الرئيس التركي رجب طيب أردوغان «يساهم في انجراف تركيا بعيداً عن الغرب».


يتبنى أردوغان سياسة تصعيدية تجاه إدارة الرئيس الأميركي


وجاءت تصريحات ماكماستر بعد ساعات من اجتماع أردوغان الثامن مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، خلال هذا العام. وتظهر تصريحات أردوغان وحملته القوية على قرار ترامب بشأن القدس، وتنظيمه للقمة الإسلامية الاستثنائية، نزعته للتصعيد ضد سياسات البيت الأبيض الحالية. ومن المؤكد أنه لا يعتزم الخروج من «الناتو»، وأن هدفه هو التخلص من الهيمنة الأميركية، الأمر الذي يمكنه فعله أفضل وهو يحتفظ بعضوية الحلف.
ويرى محللون أميركيون أن محادثات أردوغان وبوتين الأخيرة، مثّلت مرحلة جديدة فى تنسيق الجانبين لتقويض المطامع الأميركية فى المنطقة. وقد أعلن بوتين أنهما وافقا على اتفاقية قرض ستوقَّع «قريباً جداً» لمتابعة «الاحتمالات المهمة لتوسيع التعاون العسكري والفني»، فيما تسبّب صفقة شراء تركيا لنظام صواريخ «اس 400» الروسي، إزعاجاً كبيراً لواشنطن وبعض حلفائها في «الناتو». ومرة أخرى، أعلن أردوغان أن تركيا وروسيا «عاقدتان العزم على الانتهاء في أقرب وقت ممكن» من الخط التركي (الذي سيجلب المزيد من الغاز الروسي عبر تركيا إلى بلدان جنوب أوروبا)، وهو ما تعارضه الولايات المتحدة لكونه سيحبط خططها لتصدير الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا. وإذا ما أضيف التحول في سياسة أردوغان تجاه الأزمة السورية، التي كانت تركيا أحد أطرافها المؤثرة، باتجاه مشاركة روسيا في التوصل إلى حل سياسي للأزمة بمشاركة إيران، فإن ذلك يقلل كثيراً من دور ونفوذ الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين لإدامة الصراع في سوريا.
ويرى محللون أن غضب ماكماستر وهجومه غير العادي على تركيا يبرره ما يشعر به البيت الأبيض من أن انسياق تركيا باتجاه تمتين علاقاتها مع روسيا، قد يقود إلى حرمان الولايات المتحدة أيَّ شكل من أشكال الوصول الأرضي إلى الساحل السوري على البحر الأبيض المتوسط،​​ وترك القواعد الأميركية في سوريا كجيوب نائية ومعزولة.

استراتيجية «أكاديمية»

التصريحات النارية من ماكماستر أتت قبيل الموعد المقرر لإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، استراتيجية الأمن القومي لبلاده، في الثامن عشر من الشهر الجاري، التي يقول مسؤولون أميركيون إنها ستعتمد كثيراً على حلفاء أميركا وشركائها الدوليين، للتصدي لما يصفه البيت الأبيض بالتهديدات العالمية التي تمثلها دول مثل روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية، إلى جانب ما يسميه المنظمات المتطرفة. وفي تلك الاستراتيجية، قال ماكماستر، إن «هذه التهديدات تهدد اليوم حريتنا»، موضحاً أن ترامب «أكد أن أفضل دفاع ضد تهديدات اليوم هو ائتلافات وتحالفات لدول قومية قوية ومستقلة وذات سيادة».
وبالتوازي، أشار خبراء استراتيجيون إلى وجود أوجه تناقض عديدة بين الصيغ التي جرت معاينتها من مسودة استراتيجية الأمن القومي التي عرضها البيت الأبيض، وبين التصريحات والإجراءات السابقة للرئيس ترامب. وفوق كل ذلك، سبق لترامب أن وصف تحالفات أميركا الطويلة الأمد بأنها قد «عفا عليها الزمن».
ويقول الباحث في معهد «هوفر» في جامعة «ستانفورد» كوري شيك، إن هذه التناقضات تجعل الوثيقة لا معنى لها من الناحية العملية، بما فيه الكفاية، بحيث يمكن «تجاهلها على نطاق واسع». وتتضمن مسودة وثيقة استراتيجية الأمن القومي الحديث عن الجدار الذي يعتزم ترامب بناءه على الحدود مع المكسيك، والقلق بشأن الاختلالات التجارية، ولكن معظم ما جاء فيها ــ حسب تصريحات المطلعين على مقتطفاتها ــ يعكس القيم والأولويات لأسلافه من الرؤساء الأميركيين. وينقسم مشروع الوثيقة، التي تقع في نحو 70 صفحة، إلى أربع ركائز: الدفاع عن الوطن، والازدهار الأميركي، والنهوض بالنفوذ الأميركي، والسلام من خلال القوة. واستناداً إلى مقتطفات من مسودة الوثيقة، يعتقد خبراء أن المجموعة التي صاغت الوثيقة ــ وهم من خلفية أكاديمية ــ تخاطر بتحويل الاستراتيجية إلى «ممارسة أكاديمية بحتة». وقال كوري شيك إن اختلاف الوثيقة «مع سلوك الرئيس نفسه واسع، بحيث يفقد الوثيقة صدقيتها». ونقل عن مسؤول في البيت الأبيض، قرأ المسودة كاملة، تأكيده أنها «تتفق موضوعياً مع العديد من استراتيجيات الحكومات السابقة... وهناك العديد من أوجه التشابه مع استراتيجية باراك أوباما 2015». لكن تركيز الاستراتيجية على الدفاع المشترك ونمو النفوذ الأميركي في الخارج يتماشى مع بقية أطراف إدارة ترامب التي عملت على الحفاظ على الشراكات منذ خطاب ترامب في حفل تنصيبه. لذلك، بدأت بعض الدول الشريكة التحول إلى وزارة الدفاع (البنتاغون) والخارجية، بدلاً من البيت الأبيض، للحصول على مؤشرات بشأن اتجاه السياسة الأميركية.