أثارت العملية الإرهابية التي أودت بحياة أكثر من 30 شاباً وشابة وأدت إلى إصابة نحو 100 آخرين، في مدينة سروج الحدودية، تساؤلات عن العبء الذي حملته السياسة الخارجية للرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحزب «العدالة والتنمية» لتركيا. ناشطون يساريون تنادوا إلى اجتماع من أجل المساعدة في إعادة إعمار عين العرب (كوباني) التي هدّمها «داعش»، فكان مصيرهم الموت في هجوم انتحاري هو الأول في تركيا من ناحية القوة والحجم.


الهجوم أعاد توجيه الاتهامات إلى الحكومة بفتح حدود البلاد على مصراعيها للإرهاب، وبتدريب المسلحين ونقلهم إلى سوريا، وبتشجيع التطرّف في داخل تركيا، وهو ما يعتبر من أهم أسباب التسيّب على الحدود. وجاء اتهام الاستخبارات التركية لـ«داعش»، ليثير تساؤلات عن الإجراءات الأمنية التي كان من المفترض أن تقوم بها الحكومة والاستخبارات التركية التي أكدت أنها كانت على علم بدخول ستة إرهابيين من عناصر التنظيم، اجتازوا الحدود السورية إلى الداخل التركي.
الهجوم ذكّر الأكراد بعملية مشابهة حدثت في الخامس من حزيران الماضي، أي قبل الانتخابات البرلمانية الأخيرة بيومين، خلال مهرجان انتخابي لحزب «الشعوب الديموقراطي» في مدينة ديار بكر، وأدّت إلى مقتل أربعة أشخاص. وجه الحزب إثرها نداءً إلى الحكومة التي لم تعر الأمر الاهتمام اللازم، بل وجهت انتقاداً إلى الحزب نفسه!
كذلك، تأتي العملية بعد يومين من تصريحات أردوغان ضد «الشعوب الديموقراطي»، في موقف لافتٍ، حينما اتهمه بأنه الواجهة السياسية لحزب «العمال الكردستاني»؛ إثر لقاء زعيم الحزب صلاح الدين ديمرتاش برئيس الحكومة المنتهية ولايته أحمد داوود أوغلو، إبان المشاورات الأولى التي قام بها الأخير، من أجل جسّ نبض الأحزاب حول الائتلاف الحكومي المرتقب.
حاول ديمرتاش أثناء اللقاء تمييز حزبه عن «الكردستاني»، موجهاً إليه نداءً بضرورة إيقاف القتال المسلّح ضد تركيا إثر اشتباكات حدثت في الجنوب الشرقي قتل خلالها عسكري تركي. لكن أردوغان يرى في حزب «الشعوب الديموقراطي» الذي نال أصوات معظم الأكراد، خصماً أسهم في إسقاط مشروعه الرئاسي، ما دفعه إلى توجيه انتقاد لاذع له، قائلاً إن الاستخبارات التركية تعرف تماماً العلاقة العضوية التي تجمع حزب «العمال الكردستاني» مع «الشعوب الديمقراطي».
لم يكتفِ بذلك، بل أضاف أنه لا يعترف باتفاق «دولمابهشي»، في تلميح إلى النقاط العشر التي اتُّفق عليها في مقر الحكومة بين أنقرة وممثلين أكراد، كانوا قد اجتمعوا مع زعيم «الكردستاني»، عبد الله أوجلان، في سجنه في جزيرة ايمرلي واتفقوا عليها في إطار محادثات السلام مع حكومة «العدالة والتنمية» في 28 شباط الماضي. واتهم أردوغان «الشعوب الديموقراطي» بأنه يستمد جذوره من حزب «إرهابي»، في إشارةٍ إلى «العمال الكردستاني». ونفى أن يكون قد شارك في الموافقة على هذا الاتفاق، قائلاً إن «هناك برلماناً يجب أن تكون الاتفاقات عبره من أجل مستقبل البلاد». وأعاد التذكير بتصرفات الأكراد في تشرين الأول/أكتوبر 2014 أثناء أسبوع الاحتجاجات ضد الحكومة التركية، حينما وقع أكثر من 50 قتيلاً إثر التوترات الأمنية، بسبب عدم تدخل الحكومة لإنقاذ الأكراد في عين العرب (كوباني) إثر حصارها على يد «داعش».
أردوغان رأى، أيضاً، أن «الشعوب الديموقراطي» هو من أعطى الأوامر بتنفيذ هذه التظاهرات، وطمأن الحزب إلى أن سعيه للحصول على أصوات كافية لدخول البرلمان لا يمكنه أن يوصل عملية السلام مع الأكراد إلى أي مكان، في إشارة إلى تصويت معظم الأكراد لـ«الشعوب الديموقراطي» من أجل الوصول إلى البرلمان، ثم شدد على أن حزب «العدالة والتنمية» وحده من يستطيع ذلك.
كل هذه التصريحات تعبر عن رغبة أردوغان في إفهام الأكراد أن عليهم أن يدعموا «العدالة والتنمية» إذا ما أقرت انتخابات مبكرة يطمح أردوغان إلى إجرائها. وتجدر الاشارة، إلى أن حديثه يحمل في طياته محاولة استرضاء القوميين الأتراك الذين انفك قسم منهم عن أردوغان بسبب مسار التسوية مع الأكراد، الذي افتتحته حكومة «العدالة والتنمية» عام 2012.