طهران | لا يصدف أن يمرّ حدث ما على الساحة الداخلية الإيرانية، كبيراً كان أو صغيراً، إلا ويتحول إلى نقاش سياسي حاد على الصعيد الإعلامي. فالزلزال، الذي ضرب عدة مدن وبلدات في محافظة كرمانشاه غرب البلاد قبل شهر، خير مثال على ذلك، عندما تحولت إشارة انتقادية لنائب رئيس الجمهورية، إسحاق جهانكيري، لمشروع مبانٍ سكنية يسمى «مسكن مهر» (نُفّذ خلال رئاسة محمود أحمدي نجاد) إلى لغط سياسي بينه وبين مساعد رئيس مكتب المرشد الأعلى، وحيد حقانيان، عبر وسائل الإعلام، وكذلك في شبكات التواصل الاجتماعي.


أما اليوم، وبعد انطلاق التظاهرات ذات الطابع الاقتصادي أولاً في عدة مدن، فتحولت القضية إلى نقاش سياسي محموم بين الصحف المحافظة والإصلاحية وغيرها، إذ وجهت صحيفة «كيهان» المنتمية إلى المحافظين السبت الماضي (بعد ثلاثة أيام من بدء الاحتجاجات) سهام النقد إلى جهانكيري، قائلة إن نائب الرئيس «لجأ إلى الهرب إلى الأمام حينما اتهم منتقدي الحكومة بأنهم وراء احتجاجات مدينة مشهد». وأضافت الصحيفة أن «أعضاء حكومة روحاني لمّا يتبرؤوا من أعمال مثيري الفتنة عام 2009، واليوم يواصلون السياسة نفسها والمطلوب منهم أن ينوؤوا بأنفسهم عن خط الفتنة».
كذلك، خاطبت «كيهان» حكومة روحاني، بالقول: «نذكركم بأن الاحتجاجات جذورها اقتصادية وتعود إلى مشكلات يعاني منها الشعب الذي يشعر بالخذلان، والآن يحاول أعداء النظام استغلال الأوضاع». أيضاً، وجهت صحيفة «وطن امروز» المحافظة نقداً لاذعاً إلى الحكومة، ونشرت في اليوم نفسه صورة ضخمة لجهانكيري مع عنوان: «كن مسؤولاً»، في إشارة إلى مسؤولية روحاني ووزرائه عن تردي الأوضاع الاقتصادية. وكتبت «وطن امروز» في افتتاحيتها أنه «بعد أن وصف الرئيس الأسبق محمد خاتمي، وهو من أبرز أنصار حسن روحاني الإصلاحيين، الاحتجاجات الشعبية بأنها مؤامرة [المحافظون الآن ضد الحكومة] جاء دور إسحاق جهانكيري ليزعم أن المنافسين السياسيين للحكومة هم وراء التظاهرات» في مشهد، مضيفة أن «نائب روحاني يتكلم كأن الاحتجاجات ليست شعبية، في محاولة منه لحرف الأنظار عن عجز الحكومة عن تحسين ظروف المعيشة للناس وتحقيق وعودها الاقتصادية».
في المقابل، دعت صحيفة «الاعتماد» الإصلاحية بعد يوم من ذلك (الأحد اليوم الرابع للتظاهرات) التيارات السياسية في البلاد إلى «عدم استغلال الاحتجاجات الشعبية لتسوية حسابات سياسية». وكتبت نقلاً عن الخبير السياسي أمير محبيان، أن على «الأحزاب السياسية أن تعلم أن الظروف الاقتصادية المتردية تمهد الطريق للتدخلات الأجنبية في شؤون البلاد... للأسف سجلت التيارات السياسية أداءً سيئاً في مواجهة هذا الأمر، وهي تدفع الأمور نحو التصعيد بدلاً من تهدئة المجتمع».


النواة الرئيسية للمحتجين هي من الشباب وأعمارهم
من 20 إلى 25


لكنّ صحيفة «شرق» الإصلاحية عنونت بـ«حق الاحتجاج»، واضعة صورة ضخمة لرئيس الجمهورية في عددها الصادر أول من أمس، وانتقدت في مقالة على صفحتها الأولى كلا التيارين، المحافظ والإصلاحي، بسبب كيفية تعاملهما مع الاحتجاجات. وقالت إن «التيار الإصلاحي في وضع حرج، إذ لا يمكنه ترك الرئيس والوقوف إلى جانب المحتجين، ولو انحاز إلى الحكومة، فسيواجه لوم فئة كبيرة من المجتمع ينطلق منها معظم المتظاهرين... ولو قرر الانحياز إلى المحتجين، فسوف يواجه بلوم الحكومة، ولهذا قرر اللجوء إلى صمت مطبق». وأضافت المقالة: «في المقابل، اتجه التيار المحافظ نحو سياسة بين ــ بين عندما قرر التلفزيون الرسمي للبلاد أن يعترف بوجود مطالب اقتصادية مشروعة لدى المتظاهرين، وأن يندد بأعمال الشغب في الوقت نفسه».
كذلك، قالت «شرق»، إن «النواة الرئيسية للمحتجين هم من الشباب وتراوح أعمارهم بين 20 و 25، ويبدو أنهم يشعرون بخيبة الأمل من كلا التيارين، إذ تمكن مشاهدة هذا الأمر من شعارات يطلقونها... شعارات جديدة تخبرنا بخيبة أملهم وتؤكد غضبهم من الوضع الراهن من جهة أخرى»، مستدركة: «في كل الأحوال هم اختاروا طريقاً خطأً ولا يمكننا تأييدهم، لكن أين الطريق الصحيح الذي ندلهم عليه... هذا لا يدل إلا على هشاشة الديموقراطية في بلادنا».