واشنطن | أعادت تغريدة للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ادعى فيها امتلاكه «زراً نووياً أكبر وأقوى» مما لدى زعيم كوريا الشمالية، كيم جونغ أون، إحياء الجدل داخل الولايات المتحدة بشأن صلاحية البدء في هجوم نووي، في وقت تقدم فيه عدد من أعضاء الكونغرس بمشروع قانون يقترح الحد من قدرة الرئيس على إطلاق حرب نووية ضد بيونغ يانغ.


ويشترط مشروع القانون على الرئيس الحصول على موافقة الكونغرس قبل إعطاء الأمر بتوجيه ضربة نووية. وقال عضو مجلس الشيوخ، إدوارد ماركي، وعضو مجلس النواب، تيد ليو، عقب نشر ترامب تغريدته بشأن «الزر النووي»، إنه «لا ينبغي أن يكون لدى أي شخص سلطة تقرير متى ستكون الولايات المتحدة أول من يستخدم الأسلحة النووية»، في محاولة لحشد التأييد لمشروع القانون.
وسبق للكونغرس أن ناقش هذا الموضوع، للمرة الأولى منذ 40 عاماً، في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي. وتخللت المناقشة، حينها، مداخلات لخبراء اعتبروا أن من الممكن الامتناع عن تنفيذ أوامر الرئيس إذا كانت «غير قانونية». وفي عام 2016، أعربت العضو الديمقراطي في مجلس الشيوخ، ديان فاينشتاين، عن خشيتها المتزايدة من «حدوث خطأ كبير يقوم به شخص ما، رجل واحد، الرئيس... ومن يدري؟ إنها هرمجدون (المعركة الفاصلة)».
لكن، كيف يمكن لترامب أن يصدر أوامر من هذا النوع؟ توحي تغريدة الرئيس رداً على الزعيم الكوري الشمالي بأن الأول يمتلك «زراً» يفجر من خلاله القنبلة النووية متى شاء، لكن الأمر ليس كذلك فعلاً، إذ إنه لا وجود حقيقة لما يسميه ترامب «الزر النووي». يتطلب توجيه ضربة نووية سرية ومعقدة استخدام «كرة قدم» نووية، تحملها مجموعة متناوبة من الضباط العسكريين ترافق الرئيس في كل مكان يذهب إليه. «كرة القدم» هذه هي حقيبة يبلغ وزنها نحو 20 كيلوغراماً، يحملها في جميع الأوقات واحد من خمسة مساعدين عسكريين يمثلون فروع القوات المسلحة الأميركية كافة. وهي مجهزة بأدوات اتصال ودليل إرشادي يتضمن خطط حرب معدة، بما في ذلك قائمة من المواقع التي يمكن أن تستهدفها مئات الأسلحة النووية التي تشكل الترسانة الأميركية. وتشمل الحقيبة أيضاً جهاز الإرسال والاستقبال الراديوي والرموز الموثقة.
وإذا أراد الرئيس التوجيه بإطلاق هجوم نووي، سيكون عليه تعريف المسؤولين العسكريين في البنتاغون بنفسه عبر رموز سرية تخصه، محفوظة على بطاقة تُعرف باسم «البسكويت» يحملها الرئيس في جميع الأوقات، ليصدر بعد ذلك أمر الإطلاق إلى قائد الجيوش الأميركية، ومنه إلى القيادة الاستراتيجية، وعبرها إلى القيادات الميدانية. من هنا، يتبين أن «الزر النووي» عبارة عن كناية يُشار بها إلى سيرورة إصدار الأوامر لبدء هجوم نووي. وقد سبق لكاتب الخطابات الرئاسية السابق في البيت الأبيض، والكاتب في «نيويورك تايمز»، ويليام سافاير، أن تعقّب أصل عبارة «الإصبع على زر»، ليجدها في ما كان يوصف بـ«أزرار الذعر» في القاذفات الأميركية في فترة الحرب العالمية الثانية، حيث كان يمكن للطيار أن يرن جرساً لإبلاغ أفراد الطاقم الآخرين بأن عليهم أن يقفزوا من الطائرة كونها تضررت بشكل كبير. ولكن تلك الأزرار غالباً ما كان يُضغط عليها من قبل الطيارين الغاضبين قبل الأوان أو من دون داعٍ.
وبحسب سافاير، فإن هذا التعبير يُستخدم عادة للإشارة إلى شن حرب نووية، لكنه في الوقت نفسه يمكن أن يكون أيضاً «عبارة تخويف تستخدم في مهاجمة المرشحين» أثناء الانتخابات الرئاسية، مثلما فعلت المرشحة السابقة للرئاسة الأميركية، هيلاري كلينتون، عام 2016، عندما شددت على أنه «لا ينبغي أن يضع ترامب إصبعه على الزر، أو أن يسيطر على اقتصادنا».
وقد نبه الرئيس الأميركي الراحل، ليندون جونسون، خصمه الجمهوري، باري غولدووتر، في عام 1964، إلى أن على القائد «أن يفعل أي شيء مشرف لتجنب سحب هذا الزناد، والضغط على هذا الزر الذي سيفجر العالم». أما خلفه الجمهوري، ريتشارد نيكسون، فقد أبلغ مستشاريه خلال حرب فييتنام أنه يريد دفع قادة فييتنام الشمالية إلى الاعتقاد بأنه «مجنون»، ولا يمكنه ضبط النفس «عندما يكون غاضباً، ويده على الزر النووي». ووفقاً لصحيفة «نيويورك تايمز»، فإن الجنرال هنري شيلتون، رئيس هيئة الأركان المشتركة خلال السنوات الأخيرة لرئاسة بيل كلينتون، كتب في سيرته الذاتية لعام 2010، أن كلينتون فقد «البسكويت» لعدة أشهر دون إبلاغ أحد. ووصف الجنرال شيلتون ذلك بأنه «قضية كبيرة، ومسألة صارمة».
في الخلاصة، وبمعزل عما أراده ترامب من وراء تغريدته، يتبين أن أمر «الحرب النووية» يمر عبر سيرورة ليست بالسهولة التي عبر عنها الرئيس، لكنها في الوقت نفسه لا تمنعه من اتخاذ قرار من هذا النوع؛ كونه لا يحتاج إلى موافقة أي شخص أو جهة أخرى، بما في ذلك الكونغرس والجيش. ولعل هذا هو ما دفع ولا يزال العديد من المشرعين الأميركيين إلى المطالبة بأن تمر قرارات على قدر كبير من الخطورة، مثل هذه، عبر العديد من الجهات، وخاصة الكونغرس، للموافقة عليها.