تحوّلت موجة الاحتجاجات الأخيرة التي شهدتها إيران، يوم أمس، إلى مادة اشتباك مباشر بين الولايات المتحدة وروسيا، بعدما أثارت خلال الأيام الماضية ردود فعل متضادة على الساحتين الإقليمية والدولية. فبينما أصرت واشنطن على إقحام مجلس الأمن الدولي في مسألة تلك الاحتجاجات رغم اعتراض روسيا التي لم ترَ داعياً إلى ذلك، حاولت الأخيرة فرملة الاندفاع الأميركي نحو تصعيد الضغوط على طهران عبر المجلس، بطلبها عقد جلسة مشاورات مغلقة لمناقشة الدعوة الأميركية إلى جلسة علنية تبحث التطورات في «الجمهورية الإسلامية».


لكن إجابة الطلب المتقدم لم تُفضِ إلى منع الجلسة المفتوحة، بعدما قالت المندوبة الأميركية لدى الأمم المتحدة، نيكي هيلي، إنه «سيكون هناك مدلول لمحاولة أي دولة عرقلة عقد هذه الجلسة»، في تهديد مبطَّن لأعضاء المجلس الـ15 الذين كانت تتعين موافقة تسعة منهم من أجل تلبية الطلب الأميركي.
وعلى صورة ما ظهّرته الأيام الماضية في التعامل الإقليمي والدولي مع التطورات في إيران، بدت هيلي الأكثر تشدداً، مُكرِّرة تهديدات رئيسها، دونالد ترامب، لطهران، التي لم تتوقف منذ اندلاع الاحتجاجات قبل نحو 10 أيام. إذ جدّدت أثناء الجلسة، القول إن «التظاهرات في إيران تلقائية ولا تدخل خارجياً فيها»، مدّعية أن الشعب الإيراني يطالب حكومته بـ«وقف دعم الإرهاب بالمليارات»، ومهدّدة في الوقت نفسه بأن واشنطن لا يمكن أن تسمح بـ«خطوات الحكومة الإيرانية التي تتخذها لإسكات شعبها».
تهديدٌ لم يلقَ حماسة من المندوبَين الأوروبيَّين الرئيسيَّين اللذين بدَوَا حريصَين على التشديد على ضرورة صيانة الاتفاق النووي مع إيران ومنع انهياره. فقد حذّر المندوب الفرنسي، فرانسوا ديلاتر، من أن تضييع الاتفاق «سيشكل خطوة خطيرة»، داعياً إلى «التواصل الوثيق مع طهران حول العديد من القضايا، بما فيها نشاطاتها الباليستية وتدخلاتها الخارجية». واللافت أيضاً أن ديلاتر رفض اعتبار الاحتجاجات الأخيرة في إيران «تهديداً للسلم والأمن العالمي»، وذلك في انتقاد مبطن للولايات المتحدة، منبهاً إلى خطورة «استغلال هذه الأزمة لمصالح شخصية، لأنه ستكون لذلك نتائج معاكسة تماماً لما هو مرجو».


خرجت لليوم الثالث على التوالي تظاهرات مؤيدة للقيادة في إيران

أما المندوب البريطاني، ماثيو رايكروفت، فأكد «(أننا) ملتزمون الاتفاق النووي، ونرحب بالتزام إيران إياه». لكنه اعتبر أن «دعم إيران للإرهاب أدى إلى تقويض اقتصادها»، معرباً، في هذا السياق، عن قلق بلاده من «الدعم الإيراني للحوثيين في اليمن». وحضّ رايكروفت طهران على «وقف العنف، والتزام تعهداتها بشأن حقوق الإنسان، والتحقيق في أعمال القتل التي تخللت التظاهرات».
من جهة أخرى، تمسّك المندوب الروسي، فاسيلي نيبينزيا، بتأكيد بلاده أن «الجلسة الحالة لا تقع ضمن صلاحيات المجلس التي نص عليها ميثاقه»، متهماً الولايات المتحدة بـ«استغلال منبر مجلس الأمن». ورأى أن «هدف واشنطن من الاجتماع ليس حماية حقوق الشعب الإيراني، بل تقويض الاتفاق النووي»، داعياً إلى «ترك إيران تتعامل مع مشكلاتها».
وكان نائب وزير الخارجية الروسي، سيرجي ريابكوف، قد رفض الدعوة إلى هذا الاجتماع الطارئ، معتبراً إياها «تدخلاً في سيادة إيران». ورأى ريابكوف، في تصريحات صحافية، أن الولايات المتحدة «تبحث عن ذريعة لتشديد الضغط على إيران»، مشدداً على أنه «لا يمكن تحويل الاتفاق النووي إلى أداة لحل المشكلات الخاصة».
على خط موازٍ، تواصلت لليوم الثالث على التوالي التظاهرات المؤيدة للقيادة الإيرانية، والرافضة لـ«إثارة الفتنة» و«التدخل الخارجي». وشهدت مدن تبريز وكرمان ومازندران ومناطق في أطراف العاصمة طهران، أمس، خروج الآلاف عقب صلاة الجمعة للمطالبة بـ«معاقبة من يقفون وراء المحرضين الذين لهم صلات بجهات أجنبية» كما ذكر التلفزيون الرسمي. ورفع المتظاهرون صور المرشد الأعلى، علي خامنئي، ورددوا شعارات «الموت لأميركا» و«الموت لإسرائيل»، وهتفوا أيضاً بعبارة: «ندعم الإمام خامنئي... لن نتركه وحيداً في حربه على الأعداء».
كذلك، طالب خطيب الجمعة في طهران، أحمد خاتمي، بـ«التعامل بصرامة» مع المسؤولين عن تأجيج الاضطرابات، مستدركاً بأن «الذين خدعهم مثيرو الشغب المدعومون من أميركا يجب التعامل معهم بروح التسامح الإسلامي». وشدد خاتمي، في الوقت نفسه، على ضرورة أن تولي الحكومة «اهتماماً أكبر بالمشكلات الاقتصادية للناس».