نقاش دائر في ألمانيا يحيي آمال قطاع معتبر من الأوروبيين الذين راهنوا يوماً على امكانية تحول أوروبا من مجرد سوق كبير إلى قطب دولي مستقل سياسي وعسكري. أول سبب للتفاؤل هو أن هذا النقاش يدور في ألمانيا، القاطرة الاقتصادية لأوروبا والدولة التي كانت غالبية نخبها السياسية حتى فترة قريبة شديدة الحرص على التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة.


فالقناعة التي سادت بين هذه النخب بعد نهاية الثنائية القطبية، منذ حوالى ثلاثة عقود، هو أن لا بديل لألمانيا عن الحماية التي يوفرها هذا التحالف لتستطيع التركيز على عملية توحيد شطريها وتوسيع نفوذها إلى مناطق تعتبرها جزءاً من مداها الحيوي التاريخي ككرواتيا وسلوفينيا وتشيكيا التي ينظر لها الكثيرون حتى الآن باعتبارها مستعمرات ألمانية. ولا شك أيضاً أن لهذا التحالف والمظلة النووية التي أمّنها فضل في تحوّل ألمانيا إلى «نموذج» اقتصادي واجتماعي لحقبة طويلة من الزمن بسبب انخفاض إنفاقها العسكري وتخصيص جلّ مواردها للتنمية. السبب الثاني للتفاؤل هو أن المعسكرين اللذين تشكلا على خلفية هذا النقاش، الأول يضم أنصار الحفاظ على الحلف الأطلسي والثاني المنادون بسياسة خارجية «ما بعد أطلسية»، يجمعان على أن الخلافات مع الولايات المتحدة في ظل إدارة ترامب ينبغي أن تدفع الدول الأوروبية إلى تعزيز تعاونها البيني وتطوير علاقاتها مع أطراف دولية أخرى كروسيا والصين.
انطلق النقاش بعد الإعلان عن وثيقة بعنوان «بيان أطلسي في زمن دونالد ترامب» أعدها اثنا عشر خبيراً من أبرز خبراء السياسة الخارجية الألمان يمثلون مؤسسات ومراكز أبحاث متخصصة أو عاملة في الحقل الدولي. كما يتضح من عنوانها، يرى معدو الوثيقة أن الحفاظ على التحالف مع الولايات المتحدة ضرورة حيوية أمنية واستراتيجية بالنسبة لألمانيا ولبقية دول أوروبا. وبعد التذكير بالدور الذي لعبته واشنطن في حماية وضمان عملية الاندماج الأوروبي وفي تسهيل قبول ألمانيا، على الرغم من مسؤوليتها عن الحرب العالمية الثانية، كطرف في هذه العملية تعاظم وزنه باضطراد، يخلصون إلى أن «الغرب لا وجود له كمفهوم ولا كفاعل سياسي دون الولايات المتحدة... إن فسخ الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة سيشكل تهديداً للنظام الدولي الليبرالي لا يمكن مقارنته بنتائج التعاون مع رئيس أميركي يزعزع استقرار هذا النظام». لكن هذه الخلاصات لا تمنع مجموعة الخبراء من التأكيد أن ترامب يعيد النظر جذرياً بأفكار وبمؤسسات النظام الدولي الليبرالي المزعوم وأنه يطرح كبديل عنه نظاماً يقوم على القوة العارية وعلى مفهوم ضيّق جداً للمصلحة الوطنية. هم يحددون عدة ملفات خلافية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أبرزها اتفاقية التجارة الحرة العابرة للأطلسي والسياسة التجارية بشكل عام، البيئة والتغيّر المناخي، الملف النووي الإيراني والسياسات المتعلقة باللاجئين. ويخلصون إلى أن الدول الأوروبية ينبغي أن تزيد من الاعتماد على النفس والتعاون في ما بينها عند التعامل مع هذه الملفات وأن لا تتردد في التقاطع مع «الأنظمة الأوتوقراطية في الصين وروسيا» إذا اقتضت الضرورات ذلك. ويرون أن السياسة الحكيمة هي تلك التي تباشر من الآن الاعداد لمرحلة ما بعد ترامب في أميركا.
أثارت الوثيقة ردوداً كثيرة من قبل خبراء ومحللين وصحافيين تمحورت أغلبها حول فكرة أساسية وهي أن السياسة الأميركية تجاه أوروبا وتجاه المؤسسات الدولية وتجاه الالتزامات حيال الحلفاء بدأت بالتغيّر قبل ترامب. وقد عبّر الصحافيان يورغ لاو وبرند أولريك في يومية Die Zeit عن وجهة نظر أنصار سياسة خارجية «ما بعد أطلسية» فقد أضحى من الجلي بنظرهم أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على حماية أوروبا لأنها بكل بساطة أضعف ولأن أولوياتها في مناطق أخرى من العالم بدءاً بآسيا. ويضيفان أن «أوباما بدأ بالانسحاب من الصراعات الدائرة في جوار أوروبا. وهو كلف أنجيلا ميركل بالاهتمام بالأزمة الأوكرانية وفي الشرق الأوسط قام بأقل الممكن مما سمح للروس بالتدخل هناك. وترك الاتحاد الأوروبي يواجه وحيداً أزمة اللاجئين، وهي إحدى نتائج السياسة الأميركية الفوضوية في الشرق الأوسط... لقد فشلت أوروبا حتى الآن في بناء سياسات خارجية بديلة. هي اليوم تستطيع لأن عليها ذلك».
على الأغلب، هذا النقاش سيستمر ومن المحتمل أن لا يكون له نتائج فورية. لكن سياسات إدارة ترامب والأزمات التي تنجم عنها من جهة والحضور المتزايد لروسيا والصين على المستوى الدولي من جهة أخرى سيعزّز وجهة نظر الداعين إلى سياسة أوروبية أكثر استقلالية وإلى بناء شراكات جديدة على حساب الشراكة الحصرية عبر الأطلسي التي فرضتها سياقات دولية تغيرت بشكل كبير. وانطلاقاً من هذه الخلفية، يكتسب كلام المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل عن نهاية الزمن الذي كان بامكان ألمانيا خلاله الاعتماد «لدرجة كبيرة» على الآخرين معنى مختلفاً. كريستيان هوفمان في Der Speigel ترى أنه اعلان عن «نهاية تحالف مع الولايات المتحدة ضمن أمن ألمانيا لأكثر من نصف قرن وأعاد صياغة سياستها وقيمها».