كانت بلجيكا من أوائل الدول الأوروبية التي اعترفت بالديانة الإسلامية كإحدى الديانات الرسمية في البلاد عام 1968. ونتيجة لسوء الأوضاع الاقتصادية في مملكة بلجيكا في ستينيات القرن الماضي بعد تراجع دور الفحم والاعتماد على النفط، تقاربت مع المملكة السعودية حيث أهدى الملك بودوان الأول نظيره السعودي فيصل بن عبد العزيز خلال زيارته لبلجيكا عام 1967، قطعة أرض فيها متحف شرقي يعود تاريخه إلى عام 1936 ويقع وسط العاصمة بروكسل، حيث بنت عليها الرياض مسجداً ومركزاً إسلامياً تُشرف عليه وتموله وفق عقد مدته 99 عاماً، مقابل الحصول على النفط بسعر مخفّض، وصار بعد ذلك أكبر مركز إسلامي بعد افتتاح المعهد «الإسلامي ــ الأوروبي» عام 1983.


هذا المكان أضحى مركزاً لتخريج أئمة ومعلمين للتربية الإسلامية ازدادت الحاجة إليهم بعدما سمحت بلجيكا بتدريس مادة التربية الإسلامية في المدارس الحكومية، وانتشار المساجد في البلاد.
وتدفع الحكومة البلجيكية رواتب حوالى 250 بين أئمة ودعاة إسلاميين يُدرّسون في مدارسها. يضم المركز عدداً من المدارس، منها: مدرسة تعليم مبادئ الإسلام للصغار ويبلغ عدد طلابها حوالى 1300 طالب، ومدرسة الكبار ويبلغ عدد طلابها حوالى 500 طالب وكذلك مدرسة معتنقي الإسلام وتضم 400 طالب.

انتشار التطرف

تنبّه البلجيكيون إلى خطورة المد الوهابي في دول أوروبا بعد «الربيع العربي»، وتحوّل الدول العربية المشتعلة إلى موطئ لكل إرهابيي العالم، إلا أنهم لم يدركوا مدى الخطر الذي يستهدفهم إلا بعد هجمات باريس عام 2015، وتورط مواطنين بلجيكيين من أصول مغربية في تلك الحوادث، وما تلاها لاحقاً من تفجيرات في مطار بروكسل عام 2016، لكن الحكومة الفدرالية لم تتخذ إجراءات جدية تجاه السعودية خلال الفترة الماضية كونها «أكبر مستورد للأسلحة البلجيكية» حسب ما يرى برلمانيون. وقد دعا نواب «بلجيك» إلى تعليق كل الاتفاقيات العسكرية المُبرمة بين بلجيكا والمملكة السعودية خشية وصول هذه الأسلحة إلى جماعات إرهابية تابعة للسعودية وتقاتل في سوريا.


تنبّه البلجيكيون
إلى خطورة المد الوهابي
بعد «الربيع العربي»

وقد كشفت التحقيقات تورط جماعة «الشريعة من أجل بلجيكا»، التي تأسست عام 2010، بتجنيد الشباب وإرسالهم للقتال والحصول على تدريبات عسكرية في سوريا، وأثبتت الأدلة أن قياديي الجماعة وبعض أعضائها الفاعلين كانوا يقاتلون في سوريا، ثم عاد من نجا منهم إلى بلجيكا، وهم يخططون لتحويل نشاطهم من شبكة الإنترنت إلى الأرض وتمكين تنظيمهم الداعي إلى «تطبيق الشريعة الإسلامية في بلجيكا» بالقوة. وقد ألقت الشرطة البلجيكية القبض على قائد التنظيم فؤاد بلقاسم مع بعض عناصره، وحكم عليه بالسجن لمدة 12 عاماً، إضافة إلى غرامة مالية بقيمة 30 ألف يورو، وهو يواجه الآن قضية سحب الجنسية والطرد من بلجيكا، وقد قال في آخر جلسة أمام القضاء: «أنا نادم على ما فعلته، وأريد أن أكون موطناً بلجيكياً صالحاً».
تيقّنت السلطات البلجيكية من خطورة الأنشطة التي يقوم بها المركز الإسلامي السعودي، ودوره في نشر الفكر الوهابي وحثّ الشباب على «الجهاد ونشر الشريعة»، وطالب برلمانيون الحكومة بأن توقف «إشراف السعودية على تمويل المركز الإسلامي وتعيين مديريه، وإيقاف العمل باتفاقية عام 1967 وإناطة مسؤولية إدارة المسجد ومراقبة تمويله بالحكومة البلجيكية». وأنهت الحكومة البلجيكية أخيراً إقامة إمام المسجد الكبير (المركز الإسلامي) عبد الرحمن سويف، وهو من أصول مصرية، وأمهلته السلطات حتى أيار 2018 لمغادرة البلاد.

تكتّم سعودي

التقى وزير الخارجية السعودي عادل الجبير مع نظيره البلجيكي ديدييه رينديرز منذ أيام في مقر وزارة الخارجية في بروكسل، واقتصرت الأخبار والتقارير المنشورة في وكالة الأنباء والصحف السعودية حول لقاء الوزيرين على تصريحات الجبير حول ضرورة «إعادة النظر بالملف النووي الإيراني وحزب الله كذراع للجمهورية الإيرانية ودوره المتعاظم في المنطقة، والتدخلات الإيرانية في اليمن وسوريا والعراق التي تؤجج الصراع وتثير النزاعات في منطقة الشرق الأوسط».
ولم تتطرق أي وكالة أو صحيفة سعودية إلى أهم ما جاء في اللقاء الذي جمع الوزيرين، والذي كشفت عن تفاصيله الصحف البلجيكية، وكان القرار الذي اتخذته الحكومة الفدرالية وأبلغته رسمياً للجبير هو محور اهتمام وسائل الإعلام في بلجيكا.
وأكدت مجلة Ie VIF البلجيكية التي تصدر باللغة الفرنسية في بروكسل، أن وزير الخارجية البلجيكي أعلن «إنهاء إشراف السعودية بشكل كامل على المركز الإسلامي في بروكسل ووضعه تحت تصرف الحكومة الفدرالية، وستقوم السلطات البجليكية بالتعاون مع بعض الأئمة الثقات بتسليم إدارة المسجد إلى مواطنين محليين مسلمين بالتنسيق مع وزارتي العدل والداخلية».
وأكد وزير الخارجية أن أي «تمويل خارجي للمساجد والمؤسسات الإسلامية في البلاد سيخضع لمراقبة شديدة، ولن يتم إلا عبر السلطات المختصة ووفق القوانين الناظمة في البلاد، وستتكفل الحكومة البلجيكية بتأمين احتياجات المركز الإسلامي بعد إنهاء سطوة المتشددين التابعين للسعودية عليه والاعتراف به كمؤسسة بلجيكية رسمية».
كذلك دعا الوزير البلجيكي السعودية إلى «إعادة النظر بقوانينها بما يتوافق مع القوانين الدولية وشرعة حقوق الإنسان، وضرورة النظر بأحكام الإعدام التي تُنفذ في المملكة وإطلاق الحريات وضمان حرية التعبير للمواطنين السعوديين».