بعد عقد من «تثبيت الاستقلال»، تسعى كوسوفو إلى الاندماج في الاتحاد الأوروبيّ، فيما يصطدم مسعاها إلى الآن باشتراط الاتحاد إقامة مصالحة مع غريمتها صربيا.

ومن جهتها، تناور بلغراد في الملف تجنّباً لفتح فضاء بلقانيّ جديد أمام تمدد «حلف الناتو» على حساب روسيا التي تشاطرها رفض الاعتراف بالاستقلال الكوسوفي.

ويأمل رئيس كوسوفو هاشم تاجي، التوصل إلى «اتفاق تاريخي» مع صربيا خلال هذا العام، حيث صرّح، في مقابلة مع وكالة «فرانس برس» هذا الأسبوع في بريشتينا قائلاً: «أعتقد أن هذا العام سيكون حاسماً، وإلا فإننا سنستمر في المماطلة لعقود».
وتحتفل جمهورية كوسوفو في 17 شباط بذكرى مرور عشر سنوات على الاستقلال الذي نال، بدعم من الولايات المتحدة وتركيا وغالبية أعضاء الاتحاد الأوروبي، اعتراف أكثر من 110 دول، واعترضت عليه صربيا وروسيا.
وجاء الاعلان الأحادي للاستقلال عام 2008 بعد عشر سنوات من انتهاء الحرب بين القوات الصربية والمقاتلين الألبان في «جيش تحرير كوسوفو» الذي كان تاجي يتزعمه سياسياً. ولكن مع اقتراب ذكرى إعلان الاستقلال يُترقب صدور أول إدانة من جهة قضائية أوروبية بحق مقاتلين كوسوفيّين ألبان يشتبه في ارتكابهم جرائم حرب خلال فترة النزاع.
ويشير مراقبون إلى احتمال وجود تاجي ضمن قائمة المُدانين، رغم نفيه تورطه في أيّ أعمال مخالفة للقانون وإبدائه استعداده للمثول أمام المحكمة «في أي وقت وظرف، وبتعاون كامل».

ظلم تاريخي؟

ويعتبر تاجي المحاكمة بمثابة «ظلم تاريخي»، مشيراً إلى أنها تشمل أبناء إثنية واحدة فقط. ويقول: «لم تهاجم كوسوفو أيّة جهة. كانت فقط تدافع عن نفسها بوجه الإبادة الجماعية التي ارتكبها (الرئيس الصربي السابق) سلوبودان ميلوسيفيتش».
وأودت الحرب بحياة أكثر من 13 ألف قتيل، بينهم 11 ألفاً من الألبان الكوسوفيّين، وأكثر من ألفي صربي ونحو 500 من أقليات أخرى، وقد انتهت بعد شنّ «حلف شمال الأطلسي» (الناتو) حملة عسكرية على صربيا لإجبار قواتها على الانسحاب من جنوب كوسوفو الذي تسكنه أغلبيّة ألبانيّة. وأصدرت «المحكمة الجنائيّة الدولية ليوغوسلافيا السابقة» أحكاماً بحق عدد من المسؤولين الصرب لتورطهم في ارتكاب جرائم حرب، فيما تنظر المحكمة الجديدة التي تطبق قوانين كوسوفو، والتي تتخذ من لاهاي مقراً لها بهدف حماية الشهود، في فقدان أثر نحو 500 مدني، غالبيتهم من الإثنية الصربية.
ولم ينجح العشرات من نواب كوسوفو العام الماضي في إلغاء القانون الذي يشرّع عمل المحكمة على خلفية هواجس بانحيازها ضدهم، وقد أدى هذا التوجه الكوسوفي إلى تنديد شديد اللهجة من قبل الدول الغربية التي حذرت من «تداعيات سلبية» جداً في حال تكرار المحاولة.
وقد تدارك تاجي الأمر بالقول إن بلاده لن تقدم على أيّ فعل «يخرج الشراكة بين كوسوفو والغرب عن مسارها»، مضيفاً أنه «سعى شخصياً» إلى إنشاء المحكمة التي كان يطالب بها الحلفاء الغربيون، نافياً حصول تغيّر في رأيه.

«مسار أوحد» نحو أوروبا!

لا يحمل الرئيس الكوسوفي سوى «رؤية واحدة» لمستقبل البلاد: العضوية في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي. إلا أن انضمام كوسوفو إلى هذين التكتلين يعتمد على تحقيق تقدم في المفاوضات من أجل «تطبيع» العلاقات بين بلغراد وبريشتينا، التي بدأت عام 2011 والمتوقفة منذ أكثر من سنتين.
وتتمثّل إحدى العقبات الرئيسية أمام تقدم الملف في تشكيل جمعية للبلديات التي يديرها الصرب تمنح صلاحيات أوسع للأقلية الصربية في البلاد، حيث ينتمي أغلب السكان البالغ عددهم 1,8 ملايين نسمة إلى الإثنية الألبانية. وقال تاجي إن «الحوار هو بالتأكيد السبيل الوحيد للمضي قدماً بالنسبة إلى كوسوفو وصربيا»، مضيفاً: «آمل أن يشهد عام 2018 التوصل إلى اتفاق تاريخي نهائي».
وعلى الرغم من أن المفاوضات تراوح مكانها، إلا أن الرئيس يرى عدة أسباب تدعو إلى التفاؤل في شمال كوسوفو ذي الغالبية الصربية. فمنذ عقد انتخابات بلديّة ونيابيّة عامي 2013 و2017، صار هنالك وجود صربي في البرلمان والحكومة، وانتشرت الشرطة والجمارك على الحدود مع صربيا، وسُمح بحريّة التنقل وعمل المحاكم.

لا حلول سحريّة لـ«العنف»


يريد رئيس كوسوفو عضويةً في الاتحاد الأوروبي وفي الحلف الأطلسي


لا تزال مدينة ميتروفيتسا المقسّمة بين صرب وألبان كوسوفو تشهد توتراً بعد اغتيال القيادي السياسي الصربي البارز أوليفر إيفانوفيتش أواسط كانون الثاني الماضي. ويقول تاجي إنه في أعقاب حصول الجريمة، التي لم تتكشف خيوطها بعد، عمل مع الرئيس الصربي ألكسندر فوسيتش على «تهدئة الأوضاع».
ويضيف: «تخيلوا لو حصل ذلك قبل ثلاث أو أربع سنوات، لكان الوضع قد انفجر».
ويستذكر تاجي أنه عندما بدأت المفاوضات مع بلغراد، كانت ميتروفيتسا «مقفلة، ومعزولة، ومسرحاً للجرائم»، مضيفاً: «لقد شهدنا 20 عاماً مظلماً في هذا الجزء من كوسوفو. وكان مخطئاً من توقع حلاً سحرياً».
ويقرّ الرئيس الكوسوفي بأن أكبر تحدٍّ يواجه بلاده هو خلق الوظائف من أجل التصدي لـ«الأزمة الاجتماعيّة»، حيث يهاجر العديد من المواطنين هرباً من البطالة التي تقارب نسبتها 30 بالمئة. وتسعى كوسوفو إلى التمتع بحقّ حرية التنقل في فضاء الاتحاد الأوروبي على غرار جاراتها في البلقان، إلا أن ذلك مشروط بالتوصل إلى اتفاق ينهي الخلافات السياسيّة والحدوديّة.
ويقول تاجي: «علينا أن نقوم بدورنا (...) إذا لم نفعل فسيكون الخطأ خطأنا»، ويبدي أمله في أن تكون الاستراتيجية المقبلة للاتحاد الأوروبي حول كوسوفو والدول المجاورة لها «متفائلة» و«واقعية»، مشيراً إلى تأخر الاتحاد في معالجة ملفات كوسوفو وباقي دول البلقان.