للمرة الأولى منذ اندلاع الأزمة الخليجية في حزيران/ يونيو 2017، سجّلت تركيا موقفاً صريحاً في رفضها سياسات دول المقاطعة، التي اتهمتها بـ«بثّ الفرقة في المنطقة». موقف من شأنه القطع مع المرحلة السابقة التي تموضعت فيها أنقرة في موقع مساند للدوحة، إنما تحت ستار الوساطة بين الأطراف الخليجيين المتنازعين، لكن «كيف يمكن أن تتوسط وهناك طرف يكرهك ويهاجمك؟» على حد تعبير وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو.


استيئاس جاويش أوغلو من إمكانية نجاح محاولات التوسط على خط الدوحة - الرياض - أبو ظبي، عَكَس ما يشابهه أيضاً تجدّدُ التراشق الكلامي بين المسؤولين الخليجيين بصورة حادة، عقب أيام فقط من تصريحات أميركية دعت إلى «الحدّ من الحرب الكلامية». يأتي ذلك في وقت تتزايد فيه علامات الاستفهام حول الإنفاق العسكري القطري المتضخم، والذي بات خبراء يرون أنه ترجمة لكون الدوحة راهناً «تتوقع غير المتوقع»، أي الخيار العسكري. واتهم وزير الخارجية التركي، أمس، في مقابلة تلفزيونية، ما سماها «دول حصار قطر» بـ«تشويه صورة تركيا»، واصفاً ذلك بأنه «أمر مثير للاشمئزاز»، عازياً إياه إلى أن تلك الدول «تكره ما تراه من شعبية كبيرة للرئيس رجب طيب أردوغان».


اتهمت السعودية قطر بـ«الكذب» وطالبتها بالاعتذار


وتساءل: «لماذا يقوم هؤلاء بزرع الفرقة بين أبناء الأمة؟»، مضيفاً أنه «عندما توجه إليهم أي انتقادات يهاجمونك». وأشار إلى أن «تركيا حاولت منذ البداية القيام بدور وساطة، لكن المتابع يرى أن إعلام دول الحصار يهاجم أنقرة أيضاً»، متسائلاً: «كيف يمكن أن تتوسط وهناك طرف يكرهك ويهاجمك؟». واستشهد على «افتراءات دول الحصار» بأن «أحد أصدقاء ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، وهو المسؤول عن اللوبي السعودي في أميركا، نشر صورة كاذبة يدعي أنها لقطري قتله جنود أتراك في الدوحة»، معتبراً ذلك «محاولة لزرع الفتنة». ولفت إلى أن «دول الحصار تمارس ضغوطاً على عدة دول للانحياز إليها»، مضيفاً أن «هذه الضغوط تمارَس خصوصاً على الدول الإسلامية»، كـ«الصومال التي جرى تهديدها، إلا أنها رفضت ذلك لأن الشعب الصومالي صاحب كرامة».
وتُعدّ هذه التصريحات الأولى من نوعها في سلسلة مواقف صدرت عن المسؤولين الأتراك في ما يتصل بالأزمة الخليجية، دعت في مجملها إلى «رفع الحصار عن قطر»، وبدء حوار بين أطراف الأزمة للتوصل إلى حلول، من دون المجاهرة بانتقاد عواصم المقاطعة. وترافق ذلك مع سلسلة خطوات اتخذتها أنقرة في سياق دعمها للدوحة، كان أهمها إرسال قوات عسكرية إلى قاعدة الريان التركية في قطر، التي يشكل إغلاقها أحد أبرز مطالب الرياض وأبو ظبي. خطوات جددت قطر، أول من أمس، على لسان وزير خارجيتها، محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، الثناء عليها، مشيرة إلى أن «تركيا وقفت إلى جانبنا عن طريق تمويننا بمواد مختلفة»، مضيفاً أن «تركيا من بين حلفاء قطر، ولدينا معها مصالح استراتيجية مشتركة».
لكن تصريحات آل ثاني، التي جاءت خلال ندوة في معهد «أميركان إنتبرايز»، لم تخلُ من هجوم على دول المقاطعة. إذ رأى أن ثمة «نيات سيئة» لدى خصوم بلاده، وأن ليس هناك «رغبة حقيقية في الانخراط في حوار جاد»، معتبراً أن ذلك «لن يؤدي إلى نتائج إيجابية»، مشترطاً لمشاركة قطر في القمة الخليجية ــ الأميركية المرتقبة الربيع المقبل في كامب ديفيد «وجود إرادة حقيقية لدى دول الحصار وليس بالإكراه». وذكّر بأن «أمير الكويت بذل جهوداً كبيرة، لكن مساعيه لم تجد آذاناً صاغية في الرياض وأبو ظبي».
تصريحات آل ثاني استدعت رداً سعودياً «عنيفاً» من قبل المستشار في الديوان الملكي، سعود القحطاني، الذي اتهم قطر بـ«الكذب»، معتبراً أن «الجميع فقد الأمل بالمسؤولين القطريين بسبب ذلك». وتساءل، أمس، في تغريدات على «تويتر»: «ما فائدة المحادثات مع من يكذب عليك بوجهك، وأنت متأكد أنه كاذب؟»، متوجهاً إلى وزير الخارجية القطري بالقول: «كل تجارب الدول معكم تقول إن أجندتكم هدم الاستقرار، وحواركم شعاره الكذب والمراوغة». وكرر القحطاني أنه «لإثبات حسن نيتكم، لا أقل من بيان بقبولكم للشروط، واعتذاركم الكامل، وتعهدكم بالصدق».
(الأخبار، أ ف ب)