عقب انعقاد المؤتمر التاسع عشر لـ«الحزب الشيوعي الصيني» الحاكم، في تشرين الثاني الماضي، كشفت بكين عن استراتيجيّة اقتصادية وسياسية وأمنية شاملة يصل مداها إلى منتصف القرن الحالي 2050. ركزت هذه الاستراتيجية على هدف حيوي مفاده تثبيت النفوذ الصيني في العالم، والتأكيد أن لا وجود اليوم لقوة أحادية مهيمنة في العالم، وإنما تحالفات وشبكات دولية من شأنها أن تحافظ على موازين القوى.


وفي حين اكتفت الصين في الماضي بتوسيع نفوذها الاقتصادي عالمياً من جهة، وتطوير قوتها الدفاعية من جهة أخرى، فإن الاستراتيجية الجديدة تتجه نحو «التركيز على بناء القوة العسكرية الصينية» خارج الحدود.
مبررة هذا الاتجاه، أكّدت بكين، أكبر المساهمين في بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في العالم، أنّ سعيها لتمكين قوتها العسكرية «ليس من باب السيطرة الاستعمارية». وسرعان ما انعكست الاستراتيجية الجديدة على الأرض، مع بناء الصين أول قاعدة عسكرية لها خارج حدودها، في جيبوتي، في خطوة تاريخية فتحت الباب أمام خطوات مماثلة، كان آخرها إعلان رغبتها في بناء قاعدة في أفغانستان.


أكدت تقارير إخبارية أن الصين تجري محادثات جديّة مع كابول

وأكّدت تقارير إخبارية، اليوم، أن الصين تجري محادثات جدية مع السلطات الأفغانية لبناء قاعدة عسكرية في البلاد، وتحديداً في منطقة ممر واخان الجبلية النائية، التي وفق أفراد من الإتنية القرغيزية التي تشكّل أقلية فيها، تشهد تسيير دوريات مشتركة بين جنود صينيين وأفغانيين.
ويأتي ذلك بعد شهر من إعلان مساعد المتحدث باسم وزارة الدفاع الأفغانية محمد رادمانيش، في كانون الأول الماضي، أن بلاده تبحث خطة بناء القاعدة، التي ستكون الثالثة للصين خارج حدودها، بعد جيبوتي وباكستان.
وتأتي الخطوة في وقت تتخوف فيه الصين من عبور جماعات من الأويغور، المنفيين التابعين لحركة «تركستان الشرقية الإسلامية»، من منطقة واخان إلى شينجيانغ، لشن هجمات إرهابية. كما تخشى عبور مقاتلين تنظيم «داعش» الذين فرّوا من العراق وسوريا، منطقة آسيا الوسطى وشينجيانغ للوصول إلى أفغانستان، ومن ثمّ تسللهم عبر واخان إلى الصين.
إضافة إلى الجانب المتعلق مباشرة بالأمن القومي للبلاد، يندرج اهتمام الصين ببناء القاعدة العسكرية في إطار سعي الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى توسيع النفوذ الاقتصادي والجيوسياسي لبلاده. وفي هذا السياق، يرى خبراء أن الصين تخشى أن يهدد أي تمرد في البلد المجاور، مصالحها الاقتصادية المتنامية في المنطقة، مشددين على أن بكين بحاجة «إلى أفغانستان آمنة» من أجل الحفاظ على انتشارها الاقتصادي.
ولعلّ الوقت الآن هو الأنسب للتوغل عسكرياً خارج الحدود، وذلك في ظلّ السقطات الأميركية على الساحة الدولية واضطراب العلاقات بين واشنطن وعدد من الدول المجاورة للصين، كما هي الحال مع باكستان.
فعقب إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقف المساعدات المالية لباكستان بذريعة دعم الأخيرة لـ«الإرهاب»، سارعت الصين إلى الإشادة بما اعتبرته «مساهمة كبيرة لإسلام آباد في مكافحة الإرهاب»، رافضة وسم بلد بعينه بالإرهاب.
هذا الموقف رافقه حديث عن قاعدة بحرية صينية في منطقة جيواني الباكستانية بالقرب من الحدود الإيرانية، في خطوة تساهم في تعزيز «مبادرة الحزام والطريق»، وهي خطة صينية تهدف إلى تنمية الطرقات البرية والبحرية التي تصل 60 دولة في قارات آسيا وأوروبا وأفريقيا.
وتعتبر منطقة جيواني استراتيجية للغاية بالنسبة إلى «طريق الحرير» الصينية، فهي من ناحية تشرف على المحيط الهندي، ومن ناحية أخرى تعتبر نقطة رصد لكل البضائع المتجهة إلى آسيا. وكذلك هي قاعدة الصين الأولى في جيبوتي، حيث تشرف على مضيق باب المندب والبحر الأحمر.