واشنطن | ينهي اليوم وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون، جولته في دول أميركا الجنوبية، حيث كانت المكسيك أولى محطاته، تلتها الأرجنتين، يوم الأحد، والتي قال فيها إنّ بلاده تدرس فرض قيود على واردات النفط الخام الفنزويلي وصادرات المنتجات النفطية الأميركية المكررة إلى كركاس بغية الضغط على رئيسها الاشتراكي نيكولاس مادورو. وشملت جولة تيلرسون أيضاً كلاً من: بيرو، أول من أمس، وكولومبيا، أمس، فيما يحطُّ في جامايكا اليوم، والتي تنظر إليها واشنطن على أنّها مركز متنامٍ لتهريب المخدرات.


وجاءت جولة تيلرسون في الوقت الذي هدد فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، «بقطع المساعدات» المُقدّمة إلى الدول التي يقول إنّها منتجة للمخدرات والتي تُرسلها لاحقاً إلى بلاده ومحيطها. وفي اجتماع له مع إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية، جرى يوم الجمعة الماضي، قال ترامب إنّه يريد «وقف المساعدات» للدول التى لم توقف تدفق المخدرات. وأضاف «لن أذكر الأسماء في الوقت الحالي، لكنني أنظر إلى هذه البلدان، أُلقي نظرةً على الأرقام التي نرسلها لهم ــ نرسل لهم مساعدات ضخمة، فيما هم يصبّون المخدرات في بلادنا وهم يضحكون علينا».
يُذكر أن ثلاث دول في أميركا الجنوبية، هي: بيرو، بوليفيا وكولومبيا، تُعدُّ عملياً من الدول المنتجة لنبتة الكوكا اللازمة لصناعة الكوكايين، وقد أنفقت الولايات المتحدة مليارات الدولارات في محاولة منها للقضاء على محاصيل الكوكا هناك، في عمليات غالباً ما تكون في محصلتها غامضة الأهداف الفعلية والنتائج.
ومما يُقال في واشنطن إنّ من بين أهداف جولة تيلرسون الرئيسية، «حشد المزيد من الدعم من دول مثل المكسيك وكولومبيا وبيرو لمضاعفة جهودها لمكافحة المخدرات». ومن غير المعروف بعد كيف تناول تيلرسون تهديدات ترامب في اجتماعاته مع زعماء تلك الدول، حيث تشير أرقام المساعدات الأميركية الخارجية إلى أنّ كولومبيا تلقت نحو 10 مليارات دولار في الفترة بين عامي 2000 و2015 لتمويل برامج عسكرية واجتماعية في ما عُرف باسم «خطة كولومبيا». وقد تلقت ما قيمته 325 مليون دولار في عام 2016، فيما كان الرئيس السابق باراك أوباما، قد وافق على مساعدة قدرها 450 مليون دولار للعام المالي 2017 «للمساعدة في دعم اتفاق سلام» مع القوات المسلحة الثورية الكولومبية «فارك». ومن هذه الناحية، تحتل هذه الدولة المرتبة الثانية في المنطقة بعد هايتي، في حين تلقت بيرو، التي شهدت هي الأخرى زيادة في إنتاج الكوكايين، 96 مليون دولار.
وطبقاً لأرقام الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، فإنّ معظم الأموال الأميركية فى كولومبيا وبيرو موجهة إلى «برامج مكافحة المخدرات». وهذا يعني أن الولايات المتحدة في حال تنفيذ كلام ترامب عن «قطع المساعدات»، هناك خشية لدى الدوائر الأميركية إزاء احتمال «تقويض الجهود الرامية إلى وقف تدفق المخدرات».
وقال مسؤول كبير في وزارة الخارجية، طلب عدم الكشف عن هويته، إنّ تصريحات ترامب «غير مفيدة». وكانت نبرة الرئيس الأميركي صادمةً أكثر من تلك التي اعتمدها تيلرسون، الذي أقرّ بأن الولايات المتحدة تتحمل أيضاً المسؤولية نظراً إلى أنّ الطلب الأميركي يخلق سوقاً للمخدرات غير المشروعة. وتعتبر الولايات المتحدة أكبر سوق في العالم للكوكايين.
ويوم الخميس الماضي، أعلن تيلرسون من أوستن في ولاية تكساس الأميركية، قبيل بدء جولته في أميركا الجنوبية، أنّ «الطلب في الولايات المتحدة على المخدرات يثير هذا العنف وهذه الفوضى». وأضاف «إننا نعترف بدورنا كسوق كبيرة لاستهلاك المخدرات غير المشروعة وضرورة اتباع نهج مشترك لمواجهة هذه التحديات».
من جهة أخرى، سبق لترامب أن هدد مراراً بتخفيض «المساعدات الخارجية» لدول أخرى، على غرار تهديده «بقطع المساعدات عن الدول التي صوّتت في الجمعية العامة للأمم المتحدة في شهر كانون الأول الماضي ضد قراره الاعتراف بالقدس المحتلة» عاصمة للكيان الإسرائيلي، كما هدد بتعليق المساعدات الأمنية لباكستان. بيد أنّ مقترحاته الرامية إلى إجراء تخفيضات واسعة النطاق لهذه المساعدات واجهت بشكل عام معارضة وسط أعضاء الكونغرس من الحزبين «الجمهوري» و«الديموقراطي»، والذي تُعتبر موافقته ضرورية لمعظم «المساعدات الخارجية».
وفي زيارته للأرجنتين يوم الأحد، سعى تيلرسون إلى التمسك برسالة الجولة قائلاً إنّ الولايات المتحدة «ممتنة للتعاون الوثيق» في مكافحة «المنظمات الإجرامية العابرة للحدود». وأشار إلى أنّ الولايات المتحدة تتخذ «نهجاً إقليمياً للبدء في معالجة هذه الأنشطة غير المشروعة». كما كرر تيلرسون الموقف نفسه عقب محادثاته في بوغوتا أمس، مع رئيس كولومبيا خوان مانويل سانتوس. وسبق ذلك إعلان وزيرة خارجية البيرو لوسيا كايتانا الجوفين، «الاتفاق على أن تجار المخدرات يعملون أحياناً مع الإرهابيين باستخدام قوات مشتركة لتنفيذ الهجمات الإرهابية». وأشارت الأخيرة إلى «أهمية العمل المشترك لكي يتسنى القضاء على هذا البلاء الذي يؤثر على سلامة منطقتنا».


تيلرسون: الولايات المتحدة أكبر
مستهلك للمخدرات غير المشروعة

وأقرّ تيلرسون مجدداً بأنّ «الولايات المتحدة يجب أن تعترف بأننا نُمثِّلُ السوق، ونحن أكبر مستهلك للمخدرات غير المشروعة، وهكذا علينا أن نبدأ العمل على هذه المشكلة». وقال إنّ ترامب «اعترف بذلك وقدّم مبادرة بشأن خفض الطلب على المخدرات، (وإنّه) على استعداد لوضع مليار دولار وراء هذا الجهد للحد من الطلب على المخدرات في أوساط الشعب الأميركي أيضاً».
وثمة تقديرات تشير إلى أنّ حجم مبيعات سوق المخدرات على مستوى العالم يبلغ نحو 400 مليار دولار سنوياً. ويتم تهريب الكوكايين إلى الولايات المتحدة من «مجموعة دول الأنديز» (وهي: الإكوادور، كولومبيا، بوليفيا وبيرو)، مروراً بأميركا الوسطى والمكسيك.
وبالرغم من إيلاء تيلرسون أهمية لموضوع «مكافحة المخدرات»، فإنّ سعي الولايات المتحدة إلى عزل فنزويلا كان محور تركيزه فى بيونس آيرس يوم الأحد الماضي، حيث قال إنّه «أثار القضية مع المسؤولين المكسيكيين» خلال زيارته مكسيكو سيتي (يوم الجمعة) في طريقه إلى الأرجنتين. لكنّ إثارة تيلرسون إمكانية «فرض قيود على نفط فنزويلا» في زيارتيه لكل من المكسيك والأرجنتين، تشير إلى أنّ حكومة ترامب تدرس الحظر النفطي بشكل جدي، وهي خطوة تمّ تجنبها رسمياً حتى الآن. وقد فرضت الولايات المتحدة عقوبات على أكثر من 12 مسؤولاً فنزويلياً كبيراً، بمن فيهم الرئيس مادورو نفسه، كجزء من «جهود معاقبة فنزويلا» بعد الاتهامات المزعومة بانتهاكات انتخابية وانتهاكات لحقوق الإنسان.
مع ذلك، فإن فرض عقوبات على قطاع النفط يُمكن أن يضرّ الشركات الأميركية ويكلّف سوق العمل والوظائف في الولايات المتحدة، إذ تُعدُّ فنزويلا مصدراً رئيسياً للواردات من النفط الخام للسوق الأميركية، بالرغم من أنّ كمية الصادرات النفطية انخفضت في الأشهر الأخيرة. كما تُعتبر فنزويلا سوقاً رئيسية لمصافي النفط الأميركية. وقال تيلرسون إنّ المناقشات بشأن العقوبات على نفط فنزويلا تنظر في «كيفية تخفيف الأثر على المصالح التجارية الأميركية»، موضحاً أنّ بلاده تعلم أيضاً أن دولاً أخرى في المنطقة قد تتضرر من خطوة كهذه. ويتعين على الولايات المتحدة، وهي تدرس إمكانية فرض العقوبات النفطية، أن تراعي مخاوف دول الكاريبي التي تعتمد على واردات النفط الفنزويلي الرخيص، وهو ما قد يتناوله تيلرسون لدى زيارته العاصمة الجمايكية، كينغستون اليوم قبل عودته إلى واشنطن.




مادورو يشارك في «قمة الأميركيتين»

يشارك رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، في قمة الأميركيتين التي تجمع قادة أميركا الجنوبية وأميركا الشمالية في 13 و14 نيسان/أبريل المقبل، وفق ما أعلنت كراكاس أمس. وقال وزير خارجية فنزويلا خورخي أراييزا، في تغريدة، إنّ مادورو «سيشارك بشكل محدد (في القمة) للدفاع عن سيادة أميركا اللاتينية وللقاء شعب البيرو المناضل». وتأتي دعوة رئيس البيرو بيدرو بابلو، لمادورو للمشاركة في القمة، في وقت تشهد فيه العلاقات بين البلدين توتراً بعدما تبادل البلدان طرد ممثليهما الدبلوماسيين في آب/أغسطس 2017.
وقد يكون مادورو في القمة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يتهمه بإقامة «ديكتاتورية» في فنزويلا وفرض على رئيس فنزويلا ومسؤولين آخرين عقوبات مالية. ولم يؤكد ترامب حتى الآن تلبية الدعوة، فيما يصادف يوم 14 نيسان/أبريل الذكرى الخامسة لانتخاب مادورو رئيساً.
(أ ف ب)