دخلت الحملة العسكرية والأمنية التي أطلقتها أنقرة ضد تنظيمي «داعش» و«العمال الكردستاني» يومها الرابع، على وقع تواصل قصف مواقع «داعش» في المناطق الحدودية السورية، ومواقع حزب «العمال» في جبال قنديل شمال العراق، كذلك تواصلت حملات الاعتقال في المحافظات التركية التي وصلت حصيلتها إلى نحو 600 موقوف.

انعطافة تركيا الأخيرة بدخولها عسكرياً في «التحالف الدولي» لمحاربة «داعش»، تثير أسئلة عدة تتمحور في معظمها حول مسارات الحملة العسكرية وآلياتها، والأهداف التي تتطلع أنقرة إلى تحقيقها عبرها، لا سيما أن الحملة الاعلامية المواكبة لعمليات القصف ومعظم التصريحات الرسمية في اليومين الماضيين، تدلّ على أن الأكراد هم الهدف الرئيس لهذه الحملة، فيما تكاد الاشارات إلى «داعش» وخطره تكون معدومة في الخطاب الرسمي.

تنامي الحديث عن إقامة منطقة عازلة في الشمال السوري يعزز هذه الفرضية، إذ إن خريطة المنطقة في الاتفاق الأميركي ــ التركي (من جرابلس إلى مارع بمساحة تقدر بـ 4500 كلم مربع)، توضح أن الغاية منها قضم منطقة نفوذ الأكراد على الحدود، منعاً لإقامة كيان كردي موحد. غير أن إقدام تركيا على خطوة مماثلة تجاه أحد أهم الحلفاء الميدانيين للولايات المتحدة، يثير تساؤلات عدة، لا سيما أن الحملة التركية الراهنة تجري بمباركة واشنطن، ولو أن دبلوماسيين أميركيين حاولوا التنصّل من استهداف أنقرة لمواقع حزب «العمال الكردستاني»، والتأكيد على عدم صلة الاتفاق بين واشنطن وأنقرة بهذه التدابير، وذلك بالتزامن مع تعبير رئيس حكومة كردستان العراق، مسعود البرزاني، عن «استيائه» من عمليات أنقرة ضد الحزب الكردي.

دعت طهران إلى أن تكون محاربة الإرهاب ضمن احترام السيادة الوطنية

في هذا الوقت، ازدادت الترجيحات حول مسعى تركي، من خلال المناطق الآمنة المرجوة في الشمال السوري، إلى إيجاد موطئ قدم للائتلاف السوري المعارض، بعد طرد «داعش» منها، إضافة إلى إثارة إمكانية قيام أنقرة بعمليةٍ برّية في الداخل السوري استكمالاً للعمليات الجوية والمدفعية. وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، أكد في هذا السياق، أول من أمس، أن الأراضي التي تم تطهيرها من «داعش» ستصبح مناطق آمنة، يمكن نقل النازحين السوريين إليها.
وفي حين شدد رئيس الحكومة المنتهية ولايته، أحمد داوود أوغلو، على أن العمليات ضد «التنظيمات الارهابية» هي عملية مرحلية ستتواصل ما دامت التهديدات ضد تركيا قائمة، يبدو أن التطورات الأخيرة بدأت تؤتي ثمارها داخلياً، حيث أعلن حزب «الشعب الجمهوري» استعداده للمشاركة في حكومة ائتلافية مع حزب «العدالة والتنمية»، بعدما اشترط سابقاً تغيير حزب داوود أوغلو سياساته الخارجية للقبول بالمشاركة.
وفيما أطلق الجيش سلسلة غارات أول من أمس، على مواقع «داعش» في المناطق الحدودية السورية، نفذت القوات المسلحة التركية قصفاً جوياً ومدفعياً في اليومين الماضيين على مواقع حزب «العمال الكردستاني» في شمال العراق، حيث انطلق القصف من مدينة دجلة في أقصى جنوب شرق تركيا. وقتل أحد عناصر الحزب وأصيب ثلاثة آخرون، منهم مدنيَّان بينهما طفل، وفقاً لمصادر طبية. الحزب الكردي أعلن مباشرةً بعد استهداف أنقرة معسكراته في جبال قنديل، أن هدنته مع الحكومة التركية «فقدت أي معنى بعد ضربات الجيش التركي المحتل».
وعلى الأثر، جرى اتصال بين داوود أوغلو ورئيس حكومة كردستان العراق، مسعود بارزاني. ونقل داوود أوغلو عن بارزاني «تضامنه مع عملية الحكومة ضد حزب العمال الكردستاني»، قائلاً إنه أكد حق تركيا في تنفيذ هذه العملية، غير أن بارزاني، وفي بيانٍ تلى الاتصال، أكد استياءه من عمليات أنقرة ضد «الكردستاني»، مؤكداً أن السلام هو الطريق الوحيد لمعالجة المشاكل، وأن «إجراء المباحثات لسنوات أفضل من ساعة حرب». وبعد ساعات من القصف على شمال العراق، انفجرت سيارة مفخخة في محافظة ديار بكر أدت إلى مقتل جنديين تركيين وإصابة أربعة، في عملية تبنّاها «العمال الكردستاني».
ورداً على الغارات التركية في سوريا، دعت طهران أول من أمس إلى ضرورة محاربة الارهاب ضمن احترام القوانين الدولية والسيادة الوطنية. وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الايرانية مرضية أفخم إن أي عمل يؤدي الى إضعاف الحكومات الوطنية «قد يشجع في الواقع المجموعات الارهابية على تنفيذ أعمالها الاجرامية».
من جهة أخرى، دافع البيت الابيض عن حق تركيا في استهداف «العمال الكردستاني»، إذ أكد نائب مستشار الأمن القومي بن رودس أن واشنطن تعدّ هذا الحزب «منظمة إرهابية»، ورأى أن من حق تركيا «القيام بأعمال ضد أهداف إرهابية». إلا أن نائب المبعوث الرئاسي الخاص للتحالف الدولي لمواجهة «داعش»، بريت ماكجيرك، حاول فصل استهداف الأكراد عن مضمون اتفاق أنقرة وواشنطن، إذ قال إنه «لا صلة» بين الضربات التي تشنها تركيا ضد الحزب والاتفاق الأخير لتكثيف جهود التصدي لتنظيم «داعش».
وفي تطور داخلي لافت، أعلن زعيم حزب «الشعب الجمهوري»، كمال كليتشدار أوغلو، استعداده للمشاركة في حكومة ائتلافية مع حزب «العدالة والتنمية»، ويبدو هذا الاعلان كإجراء وقائي يصبّ في اتجاهين، أولاً لقطع الطريق على التوجه إلى انتخابات برلمانية مبكرة، وثانياً لمحاولة حجز مكان داخل القرار الحكومي في ظلّ ما تشهده تركيا في هذه المرحلة. ويعزز ذلك ما قاله كليتشدار أوغلو لصحيفة «حرييت» التركية أمس، عن أن أردوغان «يتلاعب بمستقبل تركيا الذي لا يمكن أن يكون رهينة أقوال شخص واحد». وداخلياً أيضاً، تواصلت حملة التوقيفات ضد أشخاص مشتبه في انتمائهم إلى «داعش» و«العمال الكردستاني» في عدد من المحافظات، حيث ألقت قوات الأمن، يوم أمس، القبض على 31 شخصاً في عمليات نفذتها في محافظات ديار بكر وماردين وباطمان. وأعلن داوود أوغلو أن الشرطة التركية اعتقلت منذ يوم الجمعة 590 شخصاً في جميع أنحاء تركيا، متهمين بالارتباط بتنظيم «داعش» أو بـ«العمال الكردستاني».
(الأخبار، الأناضول، أ ف ب، رويترز)