أثناء مشاركتهما في مؤتمر «ميونيخ الدولي للأمن»، أكدت كل من وزيرة الجيوش الفرنسية، فلورنس بارلي، ونظيرتها الألمانية، أورسولا فون دير لاين، أنّ أوروبا مُطالبة بأن تكون لها «استقلالية استراتيجية» في مجال الدفاع، وأن تتحمل مسؤوليات أكبر في «حلف شمال الأطلسي».

وقالت بارلي إنّه «يتعيّن أن تكون لنا استقلاليتنا الاستراتيجية... دون إجبار الولايات المتحدة على أن تأتي لمساعدتنا ودون تحويل وسائلها (الاستخبارات والمراقبة) أو تموينها عن مهمات أخرى». ومن جهتها، لفتت وزيرة الدفاع الألمانية إلى أنّ «الأمر يتعلق بأوروبا قادرة على أن تزن أكثر من وجهة نظر عسكرية، ويمكنها أن تكون أكثر استقلالية وتحمل مسؤوليات أكبر داخل الحلف الاطلسي خصوصاً»، معتبرة أنّ هذا «تحدٍّ يتعلق بالمستقبل الأوروبي».
في السياق نفسه، دعا رئيس الوزراء الفرنسي إدوار فيليب، في المؤتمر أول من أمس، إلى «تعهد عملاني» أفضل للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لكي لا تبقى «أوروبا ــ الدفاع موضوعاً للندوات». وأضاف خلال المؤتمر السنوي حول الأمن في عاصمة بافاريا، «تجد أوروبا نفسها وحيدة ومحاصرة»، معلناً: «فلنقل الأمور بصراحة: إن لم تُرفق أوروبا بتعهد عملاني أكبر من الدول الأعضاء، فستبقى لفترة طويلة موضوعاً للندوات»، مُذكِّراً بأن القوات الفرنسية «حاضرة على عدد كبير من الجبهات وتدفع الثمن غالياً». وقال: «إذا لم تهتم أوروبا بالحرب، فإنّ الحرب ستهتم بالتأكيد بأوروبا».

وفي هذا الإطار، جدد فيليب الاقتراح الذي قدّمه الرئيس إيمانويل ماكرون، بمبادرة تدخل أوروبية ترمي إلى «تقريب أنشطة جيوش الدول الأكثر نشاطاً». ودعا إلى «إجراء تقارب لكي يكون لأوروبا مع بداية العقد المقبل قوة تدخل مشتركة وموازنة دفاع مشتركة وعقيدة مشتركة». وقال: «لن نبني الدفاع الأوروبي ببنى تحتية جديدة، بل من خلال التحرك معاً... أيضاً وقبل كل شيء، في أماكن العمليات». وتابع بعدما ألقت رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي، كلمتها، بالقول إنّه «رغم بريكست، نراهن على المصالح المشتركة التي تربطنا للحفاظ على العلاقة الوثيقة بين بلدينا، لا بل ترسيخها».
ودعماً لموقف وزيرة الجيوش الفرنسية فلورانس بارلي، شدد فيليب على «الدور الناشط» لفرنسا في «حلف شمال الأطلسي» في وقت تخشى فيه واشنطن من أن تؤدي عملية تحريك مبادرة الدفاع الأوروبية إلى حرمان الحلف موارد. وأعلن: «علينا التوقف عن الاختلافات العقيمة. حلف أطلسي قوي يُترجَمُ بأوروبا دفاعية أقوى واتحاد أوروبي مسؤول. إنّه مكسب لحلف عسكري كالأطلسي».

باريس «تجرّ» برلين؟


تبحث أوروبا عن وسائلها، تمهيداً للتخلي عن المظلة الأميركية

في حديث إلى «الأخبار»، يُشير حسني عبيدي، وهو مدير «مركز الدراسات حول العالم العربي والمتوسط» في «جامعة جنيف»، إلى أنّ رغبة فرنسا في تعزيز التعاون الأمني والعسكري مع ألمانيا تعود إلى الزيارة الأخيرة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلى مقر الحلف الأطلسي، حيث صرّح بأنّ بلاده لا يمكن أن تتحمل الجزء الأكبر من الأعباء المالية لحماية أوروبا وحدها. ويوضح عبيدي أنّ هذا التصريح كان بمثابة الدافع، خاصة لفرنسا عقب فوز إيمانويل ماكرون بالرئاسة، من أجل مراجعة السياسة الدفاعية لأوروبا عبر تعزيز دور الثنائي الفرنسي ــ الألماني، وذلك تمهيداً للتخلي عن المظلة الأمنية الأميركية، وهو ما يكون قد أزعج الإدارة الأميركية التي تريد الإبقاء على نفوذها في المنطقة.
ويرى الباحث في سياق الحديث إلى «الأخبار»، أن تسارع وتيرة التعاون الفرنسي ــ الألماني، لا يصبّ في مصلحة دور حلف الأطلسي، حتى وإن كانت التصريحات الرسمية تشير إلى عدم التعارض بين هذا وذاك. لكن عملياً، يضيف عبيدي، إنّ فرنسا وألمانيا إذا استطاعتا رفع موازنة دفاعهما إلى نسبة 2 في المئة من الناتج المحلي الخام، فإنّ ذلك سيكون تمهيداً لتشكيل نواة أمنية للدفاع عن أوروبا خارج حلف الأطلسي.
ووفقاً له، فإن ما تسعى إليه فرنسا صاحبة أكبر قوة عسكرية في الاتحاد الأوروبي بعد انسحاب بريطانيا، هو محاولة إقناع ألمانيا التي لا تزال مترددة لأسباب تاريخية، بالمضي في هذا المشروع المشترك. ويعتبر أنّ الدافع الفرنسي خلف ذلك، هو في أن تتقاسم معها ألمانيا، باعتبارها أكبر قوة مالية واقتصادية داخل الاتحاد الأوروبي، أعباء مكافحة الإرهاب، خاصة في منطقة جنوب المتوسط والساحل، وذلك بعدما وجدت فرنسا نفسها وحيدة في منطقة الساحل وليبيا وغيرها، وذهبت لتبحث عن موارد مالية لتمويل عملياتها العسكرية في دول الخليج على غرار السعودية والإمارات اللتين تعهدتا بالدفع للقوة الإفريقية التي ترعاها فرنسا بالساحل.
لكنّ الطموح الفرنسي، في قراءة الخبير الجزائري، قد يصطدم بالحواجز التي تُلزم بها ألمانيا نفسها في مجال الدفاع، حيث يحدُّ الدستور الألماني من مسألة مشاركة جنود ألمان خارج الحدود، كذلك فإنه يمنع تصدير مواد عسكرية إلا تحت شروط معينة.
(الأخبار)