يبدأ النقاش مع ليونيل فيرون (راجع الكادر أدناه) من نقطة الحدث الصيني الراهن، الذي سيجعل من شي جين بينغ، اسماً وشريكاً دائماً في الإعلام وفي الحسابات الاستراتيجية، عندما ينتهي تعديل الدستور إلى منحه القدرة على مواصلة ما بدأه، ولا سيما في مجال إصلاح مؤسسة الدولة والحزب وتطهيرها من الفساد. ولكن هل يعني تعديل الدستور حكماً رئاسةً بلا نهاية، وعودة لا رجعة عنها للماوية؟


بالنسبة إلى فيرون، لا يعني «تعديل الدستور رئاسة مدى الحياة، وإنّما إمكانية تجديد الولاية الرئاسية، وهذا أمر مختلف. بديهي أنّ الاعلام الغربي سيفسّر ذلك بأنه ولادة لماو تسي تونغ جديد، وديكتاتور ما في الأفق. أعتقد أنّ الأمر أكثر تعقيداً مما يُقال في الخارج، لأنّ هناك بعض العوامل التي تنحو هذا المنحى منذ أن ركّزت الولاية الأولى لشي جين بينغ على ثلاث قضايا رئيسة: أولاها حملة التصدي للفساد. إنها حملة لا مثيل لها في التاريخ، وبعيداً عمّا تزعمه وسائل الاعلام الغربية من أنّ ما يجري هو صراع أجنحة بين من يوالي شي أو يعارضه، أعتقد أنّ السبب الاول للتمديد هو أنّ شي جين بينغ يُريد تنفيذ ما وعد به من محاربة الفساد، وأن يُحوِّل الصين الى قوة عظمى تعترف بها الولايات المتحدة وتحترمها، ويريد أن تصبح بلاده دولة متطورة بكل ما للكلمة من معنى. هذا يعني أنّ الحملة ضد الفساد لا يمكن أن تتوقف بسبب تغيير في القيادة، لقد عرفنا الفساد في عهد هوجينتاو، وفي عهد جيانغ زيمين، وأعتقد أن «شين» يريد معالجة المشكلة جذرياً».
تشير الدراسات التي أعدّها الأميركيون إلى أنّ كلفة الفساد في الصين تبتلع ١٠ في المئة من الناتج القومي الداخلي؛ إنّ معالجة هذه المشكلة تسهم في تحسين الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية في الصين. فيرون يجادل في أن استقرار قيادة واحدة في السلطة ضروري لمواصلة الحملة على الفساد، وأنّ شرط اقتلاع الفساد هو استقرار القيادة الصينية، وعلى رأسها وجه رجل واحد.


في لحظة ليبرالية،
أكثر ما يُقلق
«الغرب» أن يُصبح الانعطاف يساراً حدثاً في بكين


«إنّها حملة شاقة، لقد وصلنا إلى معاقبة ٩٠٠ الف عضو في الحزب الشيوعي الصيني (من أصل ٨٠ مليون عضو) حتى الآن، مكافحة الفساد وصلت الى مستويات عالية وستستمر. ونحن سنشهد إنشاء لجنة عليا لمراقبة موظفي الدولة، وهو قرار يتعرض لنقد شديد في الخارج، وستكون هذه اللجنة هيئة من هيئات الدولة ذات صلاحيات وزارية، تعمل على مستوى المركز والمقاطعات. إنّ مستويات الفساد الذي شهدته الصين تحتاج الى متابعة الحملة لعقدين لتطهير الدولة ومؤسساتها. نحن في الغرب لا نستطيع التخلص من الفساد، لكن بوسعنا السيطرة عليه، وردّه إلى حده الأدنى».
العامل الثاني الذي ينطوي عليه هذا القرار، بالنسبة إلى فيرون، هو الحفاظ على إمكانية التوصل إلى بناء مجتمع الرخاء المتوسط. يتمّ هذا عبر الإصلاحات الاجتماعية، وبعضها قد أُقرّ، وبمواجهة مشكلة مركزية في الصين وهي التلوث وتدهور أحوال البيئة، التي تتطلب تدابير قاسية وسريعة. الدفاع عن البيئة مرتبط أيضاً بمكافحة الفساد؟
«الكثير من مشاكل البيئة سببها عدم احترام المعايير البيئية من قبل الشركات التي تدفع الرشى للمسؤولين. لقد وعد شين جين بينغ بسماء صافية، وهذا يشترط بقاء هذه السياسة على المدى الطويل. إنّ الرئيس الصيني ومستشاريه درسوا اشكالات الديموقراطيات المرتبطة بتداول السلطة، وتغيير الأطقم الحاكمة باستمرار، وهم يعرفون أنّ نقطة الضعف الرئيسة لهذه الدول، كما في الهند وأوروبا، هي التغير المستمر في التوجهات السياسية مع كل تبديل في الفريق الحاكم، ما يجعل إصلاحات تسقط في الماء، لتطفو إصلاحات معاكسة. الصينيون يعلمون ان هذا النموذج لا يصلح لعملية تنموية مستقرة».
العامل الثالث هو الولايات المتحدة؟
«لقد شهدنا في الولاية الاولى لشي جين بينغ صلابة الصين المتزايدة، كما يقول الاميركيون، في علاقتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة. وقررت ألا تسمح بألا يُحترم حيّزها الخاص، أو أن تُملى عليها شروط في جوارها المباشر، في بحر الصين الجنوبي أو آسيا الوسطى».
الصينيون يعتقدون أنه ليس للولايات المتحدة الحق في أن تُهيمن على آسيا. لقد وضعت الصين آليات تعاون متعددة الاطراف مع بقية دول آسيا لمواجهة الهيمنة الاميركية على آسيا.
«إنّ النفوذ الاميركي على حدود الصين تهديد استراتيجي لها، عبر استخدام المجموعات الارهابية ضدها، الذين دعمتهم الولايات المتحدة، أو التي يُمكن لها أن تدعمهم ضد الصين. لا بد من استقرار القيادة، لمواجهة الاستراتيجية الاميركية التي تدعم اليابان والفيليبين، أو عبر وجود الاساطيل الاميركية مباشرة في بحر الصين الجنوبي. إنّ التمديد للقيادة الحالية لمرة ثانية يُعبِّر عن وجهة استراتيجية مديدة غير قابلة للتعديل أو التغيير، لأنّها مسألة أمن قومي لا يُعقل أن يُعاد النظر فيها. فمن يعرف الصين جيداً، يُدرك أنّ للولايات المتحدة نفوذاً كبيراً في أوساط وزارة الخارجية مثلاً».
أكثر ما يُقلق أيضاً الإعلام الغربي، وأوروبا، في لحظة صعود الليبرالية، أن يُصبح الحدث الصيني هو الانعطاف يساراً. وفي المؤتمر الاخير للحزب الشيوعي الصيني، جرى التركيز على المداخلات التي أدلى بها شي جين بينغ، والتي ربطت عمليات التغيير والتطهير بالذهاب يساراً، واختيار إصلاح شركات الدولة على خصخصتها، أو ترميم الدولة الراعية، بالارتكاز على فريق «يساري» واسع داخل الحزب الشيوعي.
«هناك رغبة بتقديم إضافات نظرية من قبل فريق شي جين بينغ. وهو فريق يتموضع يساراً أكثر من سابقيه. إنّ التغييرات تتعلق بسياسات اجتماعية اكثر تطوراً، أي أن تُؤخذ حاجات الطبقات الشعبية بكثير من الجد، وأن تحيطها بالضمانات الاجتماعية والتأمين الصحي. وفي ما يتعلق بسوق العمل ايضاً، هناك انعطافة فعلية نحو اليسار. في السنوات الماضية ازدهرت رأسمالية لا ضوابط لها، تضاعفت آثارها الاجتماعية مع الفساد، وتكوّنت ثروات ضخمة بفضل الفساد، مع تجاهل تام لمشكلات السكان خارج المدن الكبرى. هناك عودة تأسيسية الى اليسار، وهذا واضح في خطاب شي جين بينغ، وهناك إرادة واضحة في المؤتمر التاسع عشر للحزب الشيوعي، لردم الفجوة بين الصينيين في المراكز المدنية الساحلية والداخل، وتحسين مستوى معيشتهم.


قال لي صديق من قيادات الحزب الشيوعي، لقد عشنا الثورة الثقافية وذهبنا إلى العمل والعيش والأكل مع الفلاحين الصينيين، ونعرف مستوى معيشتهم في الأرياف البعيدة. إنّ نصف كوادر الحزب الشيوعي حالياً هم من شبان المدن الذين انتسبوا إليه لمنفعة ذاتية، وليس لهم أدنى فكرة عن حياة الصينيين في الأرياف، ولا هواجس اجتماعية لديهم. إنّ همهم الأول هو ارتقاؤهم في الحزب والمنافع التي يمكن ان يحصلوا عليها. اعتقد ان هناك قراراً من شي جين بينغ وأبناء جيله لوضع حد للانحراف الانتهازي للحزب، والعودة به الى الينابيع الأولى. هذا يفترض الحفاظ على النمو الاقتصادي ومعدله الحالي ٦.٥ في المئة، وقد اعتبر شي جين بينغ أنّه ينبغي الحفاظ على هذا المستوى من النمو طيلة العقد المقبل، إذا ارادت الصين تحسين ظروف حياة الصينيين.
الانعطافة نحو اليسار تتجلى في الإصلاح الحازم والقاسي للاقتصاد ولشركات الدولة، التي تشهد خسائر كبيرة، أو لا تحقق أيّ أرباح منذ عقود، وهي بُنى عملاقة تتغذى من الأموال العامة. خيار شي جين بينغ هو إصلاح هذه الشركات لكي تحقق ارباحاً، وليس الخصخصة كما كان من المحتمل أن يحدث في عهود من سبقوه الى الرئاسة. إنّ الخيار السابق كان اللجوء إلى الخصخصة، أما الآن، فالتركيز هو على إصلاح شركات الدولة، وهذا بديل من الليبرالية على النمط الاميركي، وهو يمثّل اقتناعاً في فريق شي جين بينغ. إنّ خسارة الشركات العامة للاموال ليس قدَراً لا مرد له، لأنّ المشكلة ذات وجهين؛ الأول الفساد، والثاني هو سوء الإدارة، والحل هو تحسين نظام الادارة، والتخلّص من الشركات التي لا يُمكن إصلاحها. أعتقد أنّ في ذلك انعطافة واضحة نحو اليسار، خصوصاً أنّ الشركات الخاصة لم تعد (لها) الحظوة في الحصول على التمويل من الدولة في الصين لتنفيذ عمليات تجارية خارجية، بينما تحظى الشركات العامة بالقروض والتمويل الهائل، خصوصاً في إطار مشروع طريق الحرير. نحن نشهد عودةً نحو اقتصاد دولة، ولا أريد القول إنّه اقتصاد مخطط. إنه اقتصاد لا يريد الاستسلام لليبرالية المنفلتة من كلّ عقال، وعلى الشركات أن تندرج في الاطار الوطني العام للتنمية وتحقيق أهدافها المركزية».
ثمة انعطافة تقع في حقل السياسة الخارجية وإزاء الولايات المتحدة، تتعلق بالسيادة الوطنية التي تفرض احترامها على الأسرة الدولية. وهذا إشكالي بحدّ ذاته، لأنه يصطدم بمصالح كثيرة، لا سيما الأميركية منها. ترامب اعتبر الصين، مع روسيا، التهديد الأول للولايات المتحدة، وهناك إجماع فيها على أنّ الارهاب ليس ما يهددها بل الصين. هل ستكون لذلك نتائج عملية، وهل ستلجأ أميركا إلى سياسة احتواء فعالة للصين؟

يعتقد الصينيون
أنه ليس للولايات المتحدة الحق
في أن تُهيمن
على آسيا

«هذا التحليل لا يعود إلى إدارة ترامب وحدها. وقد سبقته إليه إدارة باراك اوباما التي وضعت استراتيجية اعتبرت فيها أنّ الصين هي التهديد الرئيسي للولايات المتحدة، ومنذ ذلك العهد هجرت اعتبار الإرهاب مصدراً أول للتهديدات ضدها، بل إنّ الصين لم تعد تهديداً في آسيا كلها فحسب، بل في الشرق الأوسط أيضاً. ذلك أنّ الصين بحاجة إلى النفط من أجل تسيير اقتصادها وتأمين النمو، وهي تحتاج إلى نفط الشرق الأوسط، ما يُشكِّل تهديداً للأمن الطاقوي الأميركي. الفرق في النظرة إلى الصين بين الإدارتين، هو في أن العداء للصين في إدارة اوباما كان في صلب التفكير في الاستراتيجيات المعتمدة للدفاع عن المصالح الاميركية، بينما كنا نرى بوضوح خلال حملة ترامب الانتخابية أنّ العداء للصين لا يعود إلى أسباب استراتيجية، بل يعود إلى قاعدة أيديولوجية كما عبّر عن ذلك مستشاره السابق للأمن القومي ستيف بانون، بالقول إنّ الصين دولة شيوعية. أعدّ المستشار الاقتصادي الأبرز لترامب، بيتر نافارو، فيلماً عن الصين بعنوان «الموت بيد الصين»، وهو عنوان كتاب نشره أيضاً، دعائي ومعادي للصين مئة في المئة، ويُقدِّم الصين كإمبراطورية للشر. وهو يملك تأثيراّ أيديولوجياً قوياً. وعندما نتفحص مواقف ترامب وتصريحاته بشأن الصين، نرى أنّ معظمها قد تمّ اختياره من كتاب نافارو. إنّ تأثير نافارو على مواقف ترامب الصينية حاسم، وخطر هذه المقاربة الأيديولوجية أخطر بكثير من المقاربة الاستراتيجية التي تتمتع بهامش يتيح التوصل الى تفاهمات واتفاقات، بينما نقف في المقاربة الايديولوجية إزاء جهادية لا تَصالُح معها، لا تُريد سوى قلب النظام الشيوعي».




ليونيل فيرون: تعريف


هو أكثر من خبير سياسي في الصين، يسعى الحوار معه في «الأخبار» لمناقشة فرضية مختلفة للتطور الصيني. إنّه رجل قريب من المؤسسة الصينية، وتحتمل إجاباته اعتبارها أكثر من إجابات خبير، إلى حديث رجل لصيق بمركز القرار.
لا همّ أنّه فرنسي، فمعرفته الوثيقة بإمبراطورية الوسط شبيهة بالمسيرة الماوية الكبرى نفسها. تعرّجت عبر عواصم كثيرة في العالم نظراً إلى ما تتيحه مهنة الدبلوماسية التي تمرّس بها في العراق، وفي دول آسيوية كثيرة، قبل أن يعودَ منها مستشاراً استراتيجياً في وزارة الدفاع الفرنسية، وخبيراً في شؤون الشرق الأوسط.
هو أكاديمي في لحظة لاحقة من مسيرته المهنية في المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية، والمعهد العالي للأعمال، وكلية الحرب. وهو باحث رئيسي في معهد دراسات العلاقات الدولية والسياسية العامة «شارهار» في بكين.
«التحدي الصيني»، «التهديد الصيني»، «التحديات والأساطير والوقائع المرتبطة بصعود الصين»، «الاستراتيجية الصينية في المتوسط والشرق الأوسط»، «طريق واحد، حزام واحد، مبادرة صينية لتغيير العالم»، «تهديد صيني أو انحدار للغرب»، هي عناوين كتب يُمكن إضافة أخرى إليها، ولكنّها تعكس في كلّ الأحوال غزارة المسيرة، وفائض الخبرة.




بين ما نُشِر في الصحافة الصينية الصادرة باللغة الانكليزية، بدت لافتة مقالة نشرتها «غلوبال تايمز»، بعنوان «التعديل الدستوري يستجيب لعهد جديد»، تقول فيها إنّه منذ تولي شي جين بينغ الأمانة العامة للحزب في 2012، «فإنّ فريق الحكم الجديد... سارع تحت قيادته إلى ترسيخ إصلاحات بطريقة شاملة». وفي مسعى للرد على الانتقادات الغربية، كتبت أنّ «بعض الأجزاء الأساسية في نظام القيم الغربي بدأت تنهار. الديموقراطية التي تتم ممارستها في مجتمعات غربية لمئات السنين، تتقرّح». وأضافت أنّه «لا يمكن للصين أن تتوقف لأخذ استراحة... يجب ألا يُقاطعنا العالم الخارجي وإلا خسرنا الثقة، في وقت يزداد فيه الغرب احتراساً تجاه الصين».
(الأخبار)