أديس أبابا ــ الأخبار

سلّمت الحكومة الإثيوبية مصر خطة ملء خزّان سد النهضة، والسيناريوات المختلفة، وذلك في «خطاب رسمي» أعربت فيه عن الترحيب بأيّ مقترحات لدى مصر أو السودان على الخطة المنتظر البدء في تنفيذها. وعلمت «الأخبار» أنّ الخطاب نصّ على التأكيد على التزام الجانب الإثيوبي بإعطاء المعلومات وأي خطط تتعلق بالسد في محاولةٍ للوصول إلى آلية للملء لا تتسبب في أي تأثير ذي ضرر على مصر والسودان.

وتضمنت تفاصيل الخطة جدولاً زمنياً لملء الخزّان، يبدأ بـ 5 سنوات يتمّ تحديدها وفقاً لسيناريوات الجفاف والفيضان ووفقاً للنماذج الرياضية والتنبؤ بكميات المياه التي تُغذّي النيل الأزرق سنوياً. وتضمن الخطاب عدة خيارات أو بدائل يطرحها الجانب الإثيوبي على كل من مصر والسودان، حتى يمكن تحقيق «المنفعة المشتركة» للدول الثلاث خلال سنوات الملء، من دون التسبب في أي أضرار بالغة.
وتأتي الخطوة الإثيوبية بتسليم خطة الملء بعد تقدمهم بطلب رسمي من خلال وزارة الخارجية الإثيوبية، بتأجيل اجتماع وزراء المياه والخارجية ورؤساء أجهزة المخابرات في الدول الثلاث، والذي كان قد اتفق عليه الرؤساء في قمة جمعتهم بأديس أبابا في نهاية كانون الثاني/ يناير الماضي لحلّ الخلافات العالقة في مهلة أقصاها شهر، وذلك على خلفية الاضطرابات السياسية الداخلية في إثيوبيا والتي أدّت في نهاية المطاف إلى استقالة رئيس الوزراء الإثيوبي هيلاماريام ديسالين.
وسبق لرئيس الوفد الإثيوبي إلى اللجنة الثلاثية الفنية، جديون أصفاو، أن كشف في تصريحات صحافية على هامش «يوم النيل» الذي نظّمته الحكومة الإثيوبية الأسبوع الماضي، أنّ القاهرة «لم ترد رسمياً على الخطاب الإثيوبي»، فضلاً عن «رفض الجانب المصري» التعليق أو إرسال أي ردود رسمية على التقرير الاستهلالي لدراسات المكاتب الاستشارية.
وكانت المفاوضات الفنية بين الدول الثلاث قد تعثّرت، حيث أعلنت مصر رسمياً في تشرين الثاني/ نوفمبر من العام الماضي، توقّف المباحثات لعدم الوصول إلى صيغة تفاهم مشتركة لاعتماد التقرير الاستهلالي الذي قدّمه المكتبان الاستشاريان الفرنسيان حول دراسات تأثيرات سد النهضة، وهو ما استدعى الرؤساء إلى الاجتماع في كانون الثاني/ يناير الماضي، في محاولة للدفع بالمفاوضات الفنية والاتفاق على صيغة تفاهم لحلّ النقاط العالقة الخاصة بالاتفاق على آليات ملء خزان السد وقواعد التشغيل.


مصدر مصري:
الخطة التي تسلّمناها لم تذكر صراحةً
الجدول الزمني للملء

وينصّ البند الخامس في اتفاق إعلان المبادئ الموقّع في آذار/ مارس 2015، الخاص بالتعاون في «الملء الأوّل» وإدارة السد، على أنْ «تستخدم الدول الثلاث، بروح التعاون، المخرجات النهائية للدراسات المشتركة الموصى بها في تقرير لجنة الخبراء الدولية والمتفق عليها من جانب اللجنة الثلاثية للخبراء، بغرض الاتفاق على الخطوط الإرشادية وقواعد الملء الأوّل لسد النهضة والتي ستشمل كل السيناريوات المختلفة، بالتوازي مع عملية بناء السد، وكذلك الاتفاق على الخطوط الإرشادية وقواعد التشغيل السنوي لسد النهضة، والتي يجوز لمالك السد ضبطها من وقت إلى آخر». إلا أنّ خلافاً في تفسير نصّ هذا البند أدى إلى استهلاك الوقت في مفاوضات لم تنتهِ إلى أي نتائج، حتى اتجه الجانب الإثيوبي نحو فرض سياسة الأمر الواقع من خلال إبلاغه مصر والسودان بخطته للملء، علماً بأنّها السياسة التي بدأها منذ اليوم الأوّل للإعلان عن إنشاء سد النهضة في أعقاب ثورة «يناير 2011» وانشغال القاهرة بالتطورات والاضطرابات الداخلية.
وعن تعثر المسار الفني، أوضح المسؤول الإثيوبي، جدوين أصفاو، أنّه من «الناحية الإجرائية كان على الدول أن تُقدِّم تعليقاتها على التقرير الاستهلالي عقب تقديمه من الاستشاريين، لكن الجانب الفني المصري الممثل في اللجنة الفنية لم يُقدِّم هذه التعليقات، وهذا إجراء جاء على غير العادة، علماً بأنّ السودان وإثيوبيا كررا طلبهما بأهمية أن ترسل مصر تعليقها على التقرير الاستهلالي لحلّ القضايا الفنية الخلافية، ومن ثم النظر في إمكانية استكمال الدراسات».
وكان الطلب المصري في المفاوضات الفنية يُصِرُّ على تضمين المنطقة الواقعة خلف السد العالي حتى الدلتا ضمن نطاق الدراسات التي سيُنفذها المكتب الاستشاري للخروج بنتائج حول تأثيرات السد المحتملة على الأراضي المصرية في الدلتا، وبخاصة ملف ملوحة التربة نتيجة انخفاض منسوب المياه في النيل وارتفاع منسوب مياه البحر، حيث كان محور الخلاف الذي أدى إلى توقف المفاوضات الفنية هو الخط الأساس ومرجعية الإسناد للدراسات.
وقال أصفاو في تصريحاته: «المرجعية في حسم هذا الخلاف هي في العودة إلى نص العقد الموقّع مع المكتب الاستشاري حول الدراسات، حيث إنّ الشروط المرجعية لنطاق العمل في العقد لم تذكر أنّ قضية تَملُّح التربة ضمن تقويم التأثيرات العابر للحدود ولم ينص عليها في العقد، لكن هناك بعض القضايا التي ذكرت مثل التأثير على الري ومدى حدوث أي تغيرات هيدروليكية في المصب».
وكان وزير المياه الإثيوبي قد أعلن في مؤتمر صحافي بأديس أبابا يوم الاثنين الماضي، أنّ الإنشاءات في جسم السد عملية متكاملة، حيث إنّ الإنشاءات الخرسانية والأعمال الميكانيكية في جسم السد تتم خطوة بخطوة مع الملء، مضيفاً أن مستوى البناء في جسم السد تُقابله مستويات محددة للمياه في البحيرة، لكنّه لا يوجد أي تأثيرات تذكر حتى الآن على دولتي المصب «لذلك نحن بحاجة إلى التفاوض والجلوس معاً لدراسة مدى تأثر خطة التخزين».
ويرى مراقبون أن تصريحات المسؤولين الإثيوبيين حول ملء خزان السد تعني أنّ كل المفاوضات والمباحثات الرسمية التي تتم مع مصر مجرد «تحصيل حاصل»، وأنه مهما كان الاتفاق الذي سينتج من هذه المفاوضات المعقدة، فلن تلتزم به إثيوبيا ولن تتأثر به خطة الإنشاءات في موقع السد ولا سنوات ملء الخزان المحددة سلفاً من الجانب الإثيوبي، فضلاً عن أنّ هذه المفاوضات لن تكون إلا عملية سياسية تخدم إثيوبيا دولياً بحصولها على اعتراف مصر بإقامة السد، دون الاهتمام بالتصريحات الرسمية التي تخرج من القاهرة بين حين وآخر وتتحدث عن خطورة السد على الأمن المائي المصري أو تهديده للسلم والأمن في المنطقة نتيجة آثاره السلبية المحتملة، والتي ستكون عبئاً كبيراً على مصر التي تعتمد على مياه النيل في تأمين 95 في المئة من احتياجاتها المائية.
وبالحديث مع مصدر مصري مطّلع على ملف حوض النيل، أكد أنّ الخطة التي تسلمتها مصر من الجانب الأثيوبي لم تذكر صراحةً الجدول الزمني للملء ولا كميات المياه التي سيتم تخزينها سنوياً خلال فترة الفيضان، لكنّها كانت مجرّد سيناريوات مختلفة.
وشدد المصدر، الذي فضّل عدم ذكر اسمه، على أنّ الموقف المصري ملتزم تماماً باتفاق إعلان المبادئ الذي وقّعه الرؤساء والذي شدد على الالتزام بالدراسات الفنية التي تقوم بها المكاتب الاستشارية من أجل الاتفاق على قواعد الملء والتشغيل، ولا يمكن تصور الاتفاق على خطة الملء من دون انتظار نتائج الدراسات الفنية التي ستُظهر التأثيرات المحتملة للسد على معدلات تدفق المياه لمصر والسودان والتي يمكن على أساسها تحديد معدلات الضرر واختيار بدائل للتخزين تقلل من هذه المعدلات.
وتبقى كل المسارات التي تتحرك فيها القاهرة خلال الفترة الحالية تُركِّزُ على رفض أي مخططات إثيوبية لملء خزان السد، باعتبار أنّ هذه الخطط قرارات أحادية وتتجاهل المفاوضات والمباحثات التي امتدت لسنوات منذ 2015، بينما تحاول في الوقت نفسه إيجاد وسائل للضغط على إثيوبيا للتعاون من أجل إتمام دراسات تأثيرات السد، باعتبار أن هذه الدراسات هي طوق النجاه لمصر لإثبات مخاطر السد وتأثيراته على الأمن المائي المصري، وستكون أيضاً الضمانة للحصول من إثيوبيا على التعويضات اللازمة في حال انخفاض منسوب المياه في مصر أو حدوث أي انخفاض في إمدادات المياه.




«أوّل حرب على المياه»

في تقرير نشرته «بي بي سي»، قبل أيام، بعنوان «سدّ النهضة الإثيوبي قد يشعل أول حرب على المياه في العالم»، تقول إنّ هذا السدّ «قد يؤدي إلى اندلاع حرب على المياه، ما لم تتوصل إثيوبيا إلى اتفاق بشأنه مع مصر والسودان». هذا الأمر يتخوّف منه الجميع، بالأخص في مصر، منذ بداية الحديث عن السدّ. ولكن إذا ثبتَ أنّ أديس أبابا فرضت جدياً «الأمر الواقع» المشار إليه في التقرير الذي تنشره «الأخبار»، فإنّ الخشية قد تزيد أكثر حيال احتمالات كهذه. من الجدير ذكره، أنّ مصر كانت قد أعلنت في 18 من الشهر الجاري، تأجيل الاجتماع الثلاثي مع السودان وإثيوبيا بشأن السدّ، وقالت وزارة الخارجية، في بيان، إنّها تلقت إخطاراً من السودان بـ«تأجيل الاجتماع الوزاري الثلاثي بناءً على طلب من إثيوبيا»، معربةً عن أملها أن يحصل الالتزام بالإطار الزمني لهذه الاجتماعات لحل الخلافات الفنية القائمة. وكان من المقرر أن يعقد هذا الاجتماع في الخرطوم يومي 24 و25 من الشهر الجاري. أيضاً، كرر سفير إثيوبيا لدى القاهرة، أول من أمس، في مقابلة مع صحيفة «الوطن» المصرية، أنّ بلاده «لن تستخدم السدّ في الريّ... نحتاج من المياه أن تصطدم بالتوربينات وتمرّ إلى دول المصب (مصر والسودان)، لذلك لن يكون هناك نقص في المعدل الطبيعي لجريان المياه باستثناء فترة ملء بحيرة السد».
(الأخبار)






في مقالة أخيرة للصحافي الفرنسي الذي يعرف مصر جيّداً، آلان غراش، بعنوان «مَن خَسر النيل؟»، يقول إنّه «عند الانتهاء من سدّ النهضة العملاق على النيل الأزرق، والمقرر هذا العام، ستصبح لإثيوبيا اليد العليا في قرار تدفق المياه». ويضيف أنّ مسؤولاً مصرياً «قال لنا على مضض: لقد خسرنا. لم نستطع أن نحول دون تشييد السدّ، ولم نتمكن من تحصيل التعديلات على المشروع، وخصوصاً في ما يتعلق بخفض سعة تخزينه. أملنا الوحيد، والضعيف، أن تُعَبّأ بحيرة السد على فترة زمنية تتجاوز الثلاث سنوات التي أعلنتها أديس أبابا». يتابع: «هنا في القاهرة، تتبادل الألسنة من جديد قصة الملك الإثيوبي دويت الثاني الذي هدد سلاطنة المماليك في مطلع القرن الخامس عشر بحجز مياه النيل عنهم».