عرض كبير المفاوضين الأوروبيين في ملف «البريكست»، ميشال بارنييه، أمس، مسودة قانونية لـ«معاهدة خروج» بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أثارت خلافات جديدة مع لندن بشأن مسائل عدة، خاصة أن المسودة المكونة من 120 صفحة تتغاضى عن مطالب رئيسية لرئيسة الحكومة البريطانية، تيريزا ماي، بشأن الحدود الأيرلندية وحقوق المواطنين والمرحلة الانتقالية ما بعد «البريكست».


وتشمل هذه المعاهدة مضمون اتفاق الخروج الذي جرى التوصل إليه بين ماي ورئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر، بعد محادثات ماراثونية في كانون الأول الماضي. وكان بارنييه قد أكد أول من أمس، أنه «لا مفاجآت» في مضمون المسودة التي سيتبناها أعضاء مفوضية الاتحاد الأوروبي قبل إحالتها على سائر الدول الـ27 في الاتحاد، ومن ثم إلى بريطانيا.
وفي حين أن أكثر المسائل الحساسة في المعاهدة تتعلق بأيرلندا، نصّت المسودة على أن «أيرلندا الشمالية الخاضعة لحكم المملكة المتحدة، ستبقى ضمن اتحاد جمركي في حال عدم التوصل إلى حل أفضل»، وذلك لتجنب قيام حدود فعلية مع جمهورية أيرلندا العضو في الاتحاد الأوروبي. ووفق مسودة الاتفاق، فإنه في غياب خطة أخرى، تُقام «منطقة تنظيمية مشتركة تضم الاتحاد والمملكة المتحدة في ما يخص أيرلندا الشمالية» ويشرح الاتفاق أن ذلك سيتضمن «منطقة من دون حدود داخلية تضمن حرية حركة البضائع وحماية التعاون بين الشمال والجنوب»، وهو الأمر الذي رفضته رئيسة الحكومة البريطانية بشدة، مؤكدة أنها لن تسمح للكتلة الأوروبية «بتقويض السيادة الدستورية» لبلادها.
وقالت ماي أمام البرلمان إن «المسودة القانونية للاتفاق، في حال تطبيقها، ستقوض السوق المشتركة للمملكة المتحدة وتهدد السيادة الدستورية للمملكة المتحدة بإقامة حدود جمركية وتنظيمية عند البحر الأيرلندي، وليس هناك رئيس وزراء بريطاني يمكنه الموافقة على ذلك أبداً»، مضيفة أنها «ستوضح تماماً للرئيس يونكر وآخرين أنها لن توافق على أن يكون لأيرلندا الشمالية قوانين جمركية مختلفة عن بقية المملكة المتحدة».
في المقابل، شدد بارنييه على أن الخطة لا تسعى «للاستفزاز»، نافياً أن تكون تهدد سيادة المملكة المتحدة، مضيفاً أن ذلك ليس سوى «خطة بديلة» في حال عدم الاتفاق على أيٍّ من الخيارين المفضلين لدى لندن، أي حدود مزودة بأنظمة تكنولوجيا عالية ومن دون نقاط تفتيش، أو حل متعلق باتفاق تجارة بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة.


المسودة القانونية ستقوض السوق المشتركة للمملكة المتحدة


وكانت أيرلندا والاتحاد قد طالبا بأن يتجنب أي اتفاق لـ«البريكست» إقامة حدود فعلية تشمل حواجز جمركية، حفاظاً على اتفاق السلام في أيرلندا الشمالية عام 1998 المعروف باتفاق «الجمعة العظيمة»، والذي أنهى ثلاثة عقود من العنف الطائفي الدامي.
وتبقى المسألة الأيرلندية هي «الأكثر حساسية»، إذ إنّ حكومة ماي «المحافظة» يدعمها نواب مؤيدون لبريطانيا في أيرلندا الشمالية. وهنا، قالت زعيمة «الحزب الديمقراطي الوحدوي الأيرلندي»، أرلين فوستر، التي سيلتقيها بارنييه الأسبوع المقبل، إن مسودة الاتحاد «غير مقبولة دستورياً، وستكون كارثة من الناحية الاقتصادية على أيرلندا الشمالية»، مضيفة أنه يجب على ماي أيضاً أن «تبقي المشككين بالاتحاد الاوروبي في حكومتها إلى جانبها».
وكان وزير الخارجية البريطاني، بوريس جونسون، قد أثار ضجة بكشفه رسالة مسربة تشكك في إمكانية تجنب إقامة حدود فعلية على جزيرة أيرلندا. ونقلت شبكة «سكاي نيوز» عن جونسون قوله إن الخلاف «يجري استغلاله كثيراً سياسياً لمحاولة إبقاء المملكة المتحدة في الاتحاد الجمركي، فعلياً في السوق الموحدة، وكي لا نتمكن من مغادرة الاتحاد الأوروبي».
بالعودة إلى المسودة، فإنها تتضمن أيضاً مسائل اتُّفق عليها في كانون الأول، بالإضافة إلى حقوق المواطنين الأوروبيين المقيمين في بريطانيا وتسوية مالية بقيمة 35 ــ 39 مليار جنيه إسترليني (40 ــ 45 مليار يورو، 47 ــ 52 مليار دولار)، هي الفاتورة التي ستدفعها بريطانيا لدى خروجها من الاتحاد الأوروبي.
إلى ذلك، تُلقي ماي الجمعة خطاباً مهماً تحدد فيه أخيراً رؤيتها للعلاقات ما بعد «البريسكت»، فيما يحدد الاتحاد الأوروبي «خطوطه الحمر» في قمة ستُعقد في آذار المقبل. يُذكر أن الضغوط قد تزايدت على رئيسة الوزراء البريطانية هذا الأسبوع بعدما أعلنَ زعيم المعارضة العمالية، جيريمي كوربن، تغيراً في السياسة لمصلحة البقاء في اتحاد جمركي مع الاتحاد الأوروبي.
(الأخبار، أ ف ب)