شهدت عاصمة بوركينا فاسو، واغادوغو، أمس، هجمات استهدفت السفارة الفرنسية و«المعهد الفرنسي» ومقر قيادة أركان القوات المسلحة في البلاد، في حدث يُلقي الضوء على هشاشة الواقع الأمني الذي تعاني منه الدول المحاذية لمنطقة الساحل الأفريقي.


ووفق شهود عيان، ترجّل خمسة مسلحين من سيارة وفتحوا النار على المارة، قبل أن يتوجهوا صوب السفارة الفرنسيّة التي فشلوا في اقتحامها. كذلك أشار شهود آخرون إلى وقوع انفجار بالقرب من مقر قيادة أركان القوات المسلحة و«المعهد الفرنسي»، على بعد نحو كيلومتر واحد من موقع الهجوم الأول. وفيما أظهرت صور نشرها سكان العاصمة على «تويتر» أعمدة دخان أسود متصاعدة من المباني المستهدفة، أفاد مراسل وكالة «فرانس برس» بسماع تبادل إطلاق نار كثيف واندلاع النيران في السيارة، وأضاف أن قوات خاصة تابعة للجيش انتشرت في المكان، فيما كانت مروحيات تحلق في أجواء العاصمة.


كان في الاجتماع العديد من الضباط وبحضور رئيس الأركان

وفي باريس، علّقت أوساط مقرّبة من وزير الخارجية الفرنسي جان ايف لودريان، بعد وقت قليل على وقوع الهجوم، بأنّ الوضع «تحت السيطرة» في السفارة والمعهد، كما ذكرت مصادر في الإليزيه أن الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون «يتابع ما يحصل بانتباه شديد». ووفق تصريحات الحكومة البوركينيّة، سارعت وسائل الإعلام الفرنسية إلى تناقلها، فإنّ جميع «القتلى والجرحى هم من العسكريّين والمدنيّين المحليّين».
وفي وقت لاحق، أعلن وزير الامن في بوركينا فاسو كليمان ساوادوغو، خلال مؤتمر صحافي، أنّ الانفجار الذي استهدف قيادة الجيش في واغادوغو ناجم عن تفجير سيارة، ومن «المحتمل» أن يكون هدفه اجتماع لمنطقة الساحل. وأضاف أنّ «حمولة السيارة من المتفجرات كانت ضخمة»، مؤكداً أنّه كان هناك «اجتماع حول منطقة الساحل، وربما كان مستهدفاً». وأوضح قائلاً: «كان هناك اجتماع حول مجموعة الساحل من المقرر عقده في قاعة محددة، لكنه نقل الى قاعة اخرى، ولو عقد في المكان المحدد أصلاً، لكان الوضع في غاية الخطورة، لأن العديد من ضباطنا كانوا في الاجتماع مع رئيس الاركان».
وتظهر هذه العمليات المنسّقة مدى هشاشة الوضع في بوركينا فاسو، التي استهدفتها في السنوات الأخيرة اعتداءات شملت قواتها المسلحة وأماكن يقصدها أجانب. فقبل أقل من عامين، قُتل ثلاثون شخصاً من بينهم ستة كنديين وخمسة أوروبيين في فندق ومطعم في وسط المدينة في هجوم تبنّاه تنظيم «القاعدة». وأطلق مسلحان النار على مطعم في الجادة الرئيسية في واغادوغو يوم 13 آب الماضي، ما أدى إلى مقتل 19 شخصاً وإصابة 21 آخرين.
وفي أحدث الهجمات، قُتل نهاية الشهر الماضي جنديان فرنسيان في المثلث الحدوديّ بين مالي والنيجر، ويشهد شمال بوركينا فاسو هجمات جهادية منذ الفصل الأول من عام 2015، أدت الى مقتل 133 شخصاً خلال 80 هجوماً، بحسب حصيلة رسمية، ونزوح عشرات آلاف السكان.
وفي السياق، قال موسى فكي محمد، رئيس مفوضيّة الاتحاد الأفريقي، على حسابه في «تويتر»، إنّ الهجوم يمثّل «تذكيراً قاسياً بالضرورة العاجلة لأن يزيد المجتمع الدوليّ دعمه لمجموعة دول الساحل الخمس لمقاومة التهديد الإرهابيّ المتنامي»، وأضاف أنّ «الاتحاد الأفريقيّ سيواصل دوره في إشعار المجتمع الدولي بواجبه في تحقيق تعبئة أكبر ترتقي إلى مستوى التهديد الذي تواجهه دول المنطقة».
وتنخرط بوركينا فاسو في مقاومة المنظمات المسلّحة التي تعمل في منطقة الساحل، وأبرزها «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في الغرب الإسلاميّ»، وهي تشكّل برفقة مالي، التشاد، موريتانيا، والنيجر، «مجموعة دول الساحل الخمس ــ جي 5». وأعلنت المجوعة التي تشكلت قبل أربع سنوات تشكيل قوّة مشتركة لمقاومة الإرهاب منتصف العام الماضي، فيما لا يزال استكمال بناء القوّة التي يتوقع أن يصل عدد جنودها إلى خمسة آلاف، رهن حشد الدعم الماليّ اللازم. في الأثناء، تبقى القوات الفرنسيّة، التي تعمل في المنطقة ضمن عمليّة «برخان»، أبرز الفاعلين العسكريّين في هذه «الحرب»، وتساندها في ذلك بعثة الأمم المتحدة «مينسوما» والجيوش المحليّة، وقد أعرب الرئيس الفرنسي مجدداً، مساء أمس، عن «التزام فرنسا التام مع شركائها من مجموعة دول الساحل في مكافحة الحركات الارهابية»، علماً بأنّ هذه المهمات الفرنسية والغربية تكتفي بطرح حلول أمنية غير كافية لمواجهة التحديات التي تطرحها منطقة الساحل.
(الأخبار، أ ف ب)