اتجهت الأنظار إلى مقر «الحزب الاشتراكي الديموقراطي» في العاصمة الألمانية برلين، حيث أُعلنت أمس نتائج قبول ثلثي أعضاء الحزب الدخول في ائتلاف حكومة مع «التحالف المسيحي» بقيادة المستشارة أنجيلا ميركل. بهذا القرار، يكون الحزب قد جنّب ألمانيا وأوروبا مرحلة ضبابية، فبعد تصويت ثلثي أعضاء «الاشتراكي الديموقراطي»، أعلن الحزب رسمياً أن 66.02 في المئة من أعضائه صوتوا لمصلحة الحكومة الائتلافية في عملية الاقتراع الداخلية التي شارك فيها حوالى 78.4 في المئة من منتسبي الحزب البالغ عددهم الإجمالي 463 ألفاً.


بعد إعلان النتائج، سارعت مختلف الأطراف الحزبية والسياسية إلى التعبير عن ردود أفعالها، إذ كتب «التحالف المسيحي» على صفحته على موقع «تويتر»، نيابة عن ميركل: «أعبر عن سعادتي وارتياحي بعد صدور نتيجة التصويت... أتقدم بالتهنئة إلى الحزب الاشتراكي الديموقراطي ويسعدني متابعة التعاون معه لرفاه بلدنا». وأوضحت ميركل أنه «بعد المسيحي والبافاري، أعلن الاشتراكيون حالياً استعدادهم أيضاً لتولي المسؤولية في حكومة مشتركة... هناك كثير من العمل أمام هذه الحكومة الاتحادية الجديدة الذي لا بد من بدئه على الفور»، مشددة على أن اتفاق الائتلاف الذي تم التفاوض بشأنه بصورة مشتركة بين «الاتحاد» و«الاشتراكي» يُعد أساساً جيداً، «لأنه يحدد مساراً للمستقبل على نحو صائب ويقدم تحسينات ملموسة للمواطنين».
في غضون ذلك، أوضحت وزيرة الدفاع الألمانية، ونائبة رئيس حزب ميركل، أورسولا فون دير لاين، أنه يمكن للحكومة الجديدة حالياً مباشرة موضوعات مستقبلية مهمة بسرعة، فيما قال وزير الخارجية، زيغمار غابرييل، إن «قرار أعضاء الاشتراكي كان عيداً للديموقراطية الحزبية»، موضحاً أن النقاش «كان محترماً». كذلك، قال الرئيس السابق لـ«الاشتراكي» مارتن شولتس، إن النتيجة «ستدفع ألمانيا وأوروبا قدماً إلى الأمام وستقوي الحزب»، وذلك مقابل تأكيد رئيس المعسكر الرافض للدخول في ائتلاف مع ميركل داخل الحزب، كيفن كونرت، أنه سيواكب «الحكومة العتيدة بانتقاد شديد»، مشيراً إلى أنه «لن يتم شراؤنا ولا إسكاتنا (المعارضين) بالمناصب».
أما «الحزب المسيحي البافاري»، فرأى أن هذه الخطوة مهمة «للتماسك المجتمعي»، في وقت قالت فيه رئيسة «الحزب الديموقراطي الحر» (الليبرالي)، كريستيان ليندنر، إن النتيجة لم تشكل مفاجأة كبيرة له، مضيفاً: «كان سيكون من المحير لو صوّت أعضاء الحزب على عدم الدخول في الحكومة بنسبة 70 في المئة... نحن سعداء بأداء المعارضة الذكي». لكنّ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اتهم «الاشتراكي» بإعاقة الانتقال إلى مرحلة جديدة في ألمانيا. وقالت رئيسة الكتلة البرلمانية للأول، أليس فايدل، إنه «بعد تصويت الحزب للمشاركة من جديد في ائتلاف حكومي مع ميركل، أصبح من الواضح تماماً أن الاشتراكي أصبح الجمعية الجديدة لانتخاب المستشارة».


وافق ثلثا أعضاء «الاشتراكي» على الدخول في ائتلاف مع ميركل

وبالنسبة إلى المستشارة الألمانية، فإن الضوء الأخضر الذي أصدره الحزب مهّد الطريق أمام النواب لانتخابها رسمياً مستشارة لولاية رابعة، وهو ما تطلب منها جهداً كبيراً ومواجهة مشكلات وغموضاً سياسياً كبيراً قبل أن تصل المستشارة إلى مبتغاها في نهاية المطاف، انطلاقاً من ترشحها في تشرين الأول الماضي. لكن من الصعب نسيان الصفعة الانتخابية التي تلقتها ميركل في انتخابات أيلول التي أضعفت موقعها، وذلك بعد تسجيل حزبها «المحافظ» نتيجة متدنية بمستوى تاريخي، في وقتٍ حقق فيه اليمين المتطرف اختراقاً تاريخياً.
توالت بعد ذلك أحداث أخرى كفشل مشاورات ما يُسمى «جامايكا» بين «المسيحي» و«الليبرالي» و«الخضر»، بعد إعلان «الليبرالي» و«الخضر» أنهم مستعدون لتشكيل ائتلاف مع «المسيحي»، ثم إفشال «الليبرالي» المشروع. وتبع ذلك إعلان «الحزب الاشتراكي» أنه سيكون في صفوف المعارضة، ليعود الاشتراكيون ويعدلوا عن دور المعارض، ثم الاستعداد للدخول في مفاوضات مع ميركل لتشكيل حكومة. وقد كانت مرحلة المفاوضات معقدة، إذ واجه «الاشتراكي» معارضة كبيرة في صفوف أعضائه على خلفية مشاركة ميركل في الائتلاف، لينتقل إلى ما يسمى مؤتمر «بون» للحصول على موافقة من الأعضاء على الدخول في المفاوضات، حيث صوّت المشاركون بفارق ضئيل للشروع في تلك المفاوضات، وهو الأمر الذي مهد عملياً لولاية ميركل الرابعة. وأخيراً عمد «الاشتراكيون» الى التصويت للبرنامج الحكومي، وجاءت نتيجة التصويت مؤيدة لقبول اتفاقية الائتلاف الجديد، باعتبار أن قيادة «الاشتراكي» ورئيسه السابق أحسنا التفاوض على برنامج الحكومة، فحصلا على تنازلات في مجالات شتى، وفازا بست وزارات للحزب.
في المحصّلة، وصلت ميركل إلى المرحلة النهائية، فبعد نجاحها في تجاوز الانتقادات الداخلية التي واجهتها في حزبها تجاه عدة قضايا، أُزيلت أمس العقبة النهائية في وجه الولاية الرابعة، الأمر الذي يمكنها من تشكيل حكومة والتمهيد لانتخابها الذي من المفترض أن يتم في منتصف آذار الجاري.
(الأخبار، أ ف ب)