وصلت حاملة الطائرات الأميركية «كارل فينسون»، أمس، إلى فيتنام، في حدث يحصل للمرة الأولى منذ أكثر من أربعة عقود، وفي تطوّر اعتبره مراقبون غربيون «رسالة واضحة للصين»، لا سيما في ظل تزايد النفوذ الإقليمي للأخيرة وتوسعها العسكري في بحر الصين الجنوبي. إلا أنّ هذه «الرسالة» قابلها بالتزامن افتتاح المجلس الوطني لنواب الشعب الصيني دورته الحالية، التي من ضمن بنودها إقرار رفع ميزانية الدفاع لعام 2018 بقيمة 1.11 تريليون يوان (175 مليار دولار)، في زيادة بنسبة تبلغ 8.1 في المئة عن عام 2017، أي ما يُشكّل «جزءاً صغيراً من الناتج المحلي الإجمالي»، كما يقول المسؤولون الصينيون.


رغم هذه الزيادة في الإنفاق، فإنّها تبقى أقّل بأربع مرات من إنفاق الولايات المتحدة في هذا المجال (تشانغ يه سوي، وهو المتحدث باسم الدورة الأولى للمجلس الوطني، قال إنّ «معدل الإنفاق الدفاعي الصيني يُعتبر أدنى من نظيره في الدول الكبيرة الأخرى»). وليست الزيادة أمراً مفاجئاً، إذ إنّها تأتي في وقت تعمل فيه الصين على زيادة إنفاقها الدفاعي بعدما تراجع في العامين الماضيين. أيضاً هي تأتي في سياق سلسلة من الخطوات التي تتخذها الصين خدمةً لسياساتها الرامية إلى حماية مصالحها الاقتصادية، وذلك من خلال الحفاظ على أمنها القومي الداخلي من جهة، وترسيم حدودها البرية والبحرية وترسيخ وجودها العسكري الخارجي، لا سيما في المناطق التي تشكّل «نقاط وصل» بينها وبين الأسواق العالمية من جهة أخرى (تخشى الصين من أي عرقلات دولية أو عمليات إرهابية قد تطال «طريق الحرير» الذي تعمل على إنشائه). بطبيعة الحال، ترى واشنطن في هذه التحركات سعياً صينياً «لفرض الهيمنة» على بحر الصين الجنوبي، وتهديداً محتملاً لحرية الملاحة الأميركية ومصالحها الاستراتيجية في منطقة تشهد منذ سنوات صراعاً إقليمياً ــ أميركياً «بارداً» على النفوذ.
ولعلّ قلق بكين على «سيادتها وأمنها» برز أكثر مع وصول حاملة الطائرات الأميركية «كارل فينسون» ومعها سفينتان أميركيتان أخريان إلى فيتنام، أمس، في زيارة تستغرق خمسة أيام. ووفق بعض التقارير في الصحافة الغربية، فإن «الزيارة الأميركية» لا تمثّل أكبر وجود عسكري أميركي في فيتنام منذ عام 1975 فحسب، «ولكنها أيضاً انعكاس واضح للعلاقات المعقدة والمتوترة بين هانوي وبكين بشأن بحر الصين الجنوبي المتنازع عليه». وتشير التقارير إلى أن فيتنام عملت «منذ أشهر لتخفيف قلق» جارتها من هذه الزيارة، وكذلك من احتمال إقامة تعاون أمني أكبر بين هانوي وواشنطن. إلا أن المراقبين وصفوا الزيارة بـ«ضربة واضحة ضد بكين»، وأنّها تأتي «في سياق مواجهة النفوذ الصيني المتصاعد في بحر الصين الجنوبي».


تبدو النظرة الأميركية
للتحالف مع فيتنام منافية لحقائق الواقع


في السياق نفسه، كتب باراسانث بارامسوارن، وهو محرر في مجلة «ذي ديبلومات» المختصّة في شؤون شرق آسيا، أنّه توجد خشية إقليميّة من اتخاذ الصين خطوات تصعيديّة، خاصّة أنّها «عززت منذ عام صفّها الداخلي بعد عقد مؤتمر للحزب»، وأنّ «اتباع ترامب سياسة متشددة مع الصين هذا العام، على عدة جبهات، قد يدفعها إلى الانتقام». وقال إنّه من هذا المنظور «لا تُعتبر زيارة الناقلة مهمّة لأنّها تعزز توجّه واشنطن الحالي حول مسألة بحر الصين الجنوبيّ فحسب، بل أيضاً لأن مثل هذه التحركات تُبقي الاحتمال قائماً بأن تستغلها بكين مستقبلاً كذريعة لتحركات كانت قد خططت لها بالفعل».
وكانت الولايات المتحدة قد وصفت الصين، في كانون الأول الماضي، بـ«منافس استراتيجي» لها، معتبرة أنها تستخدم «قدراتها الاقتصادية الهائلة لإرهاب جيرانها»، فيما تسير الصين بثبات في مشاريعها للحفاظ على ثروات جزر بحرها الجنوبي وتحصينها عسكرياً في مواجهة الأساطيل الأميركية المرابطة في هذه البقعة الاستراتيجية. ومنذ عام 2014، تبنّت بكين سياسات أكثر تشدداً إزاء النزاعات الحدودية التي تخوضها في بحر الصين الجنوبي وبحر الصين الشرقي (مع اليابان) ومنطقة الهملايا (مع الهند)، إلى جانب متابعتها للصراع الدائر في شبه الجزيرة الكورية القريبة منها.

عودة «لا بدّ منها»

في مقابل الصين، ترسم الولايات المتحدة لوجود طويل الأمد في جنوبي شرقي آسيا، ويعود جزء من ذلك إلى تأمين فتح المعابر التجارية من بحر الصين الجنوبي، بالأخص مع مرور بضائع بقيمة خمسة تريليونات دولار من تلك المياه سنوياً. لكن لا بدّ في ظل هذه العودة المثيرة للأميركيين إلى فيتنام من العودة قليلاً إلى الوراء، لإلقاء الضوء على طبيعة العلاقات الثنائية.
في عام 1950، وفي خضمّ حرب «الهندوصينيّة»، بدأت علاقات أميركا بفيتنام الجنوبيّة. ففيما اعترفت الصين وروسيا بالحكومة الشيوعيّة المتمركزة في شمال البلاد، اعترف «المعسكر الغربيّ» بحكومة الجنوب. لم يكن الاعتراف حدثاً هامشيّاً، بل شكّل في سياق الحرب الباردة طبيعة العلاقة الصداميّة بين فيتنام وأميركا، والتي لم تبدأ في التغيّر إلاّ بداية التسعينيات.
بعد انهزام القوات اليابانيّة الغازية في الحرب العالمية الثانية، أعلنت فيتنام استقلالها عن فرنسا. فتح الإعلان باب «الحرب الهندوصينيّة» (1946 ــ 1954)، وانقسمت البلاد إلى شطرين. انخرطت أميركا، ضمن حربها الكونيّة على الشيوعيّة، في الصراع عبر دعم القوات الفرنسيّة، قبل أن تأخذ دور الصدارة تدريجاً وتصبح الفاعل العسكريّ الأجنبيّ الرئيسيّ في البلاد منذ عام 1964. تورّطت القوّة الإمبرياليّة في الوحل الفيتناميّ، وتكبّدت أوّل هزيمة في تاريخها العسكريّ، تكرّست في «اتفاقيّة باريس للسلام» عام 1973. لم تُطبّق الاتفاقيّة كما أرادت أميركا، إذ واصل الشمال توغّله جنوباً نحو سايغون، دافعاً الغزاة إلى خارج البلاد عام 1975، وانقطعت بهذا الانتصار العلاقات بين البلدين.
لم يكن الفيتنام المستقل خالياّ من المشاكل، حيث أدت تحرشات حدوديّة مع كمبوديا إلى تدخّل القوات الفيتناميّة وخلع الرئيس الدمويّ بول بوت، ونظام «الخمير الحمر». عقب ذلك، وقفت الصين مع حليفها الكمبوديّ وهاجمت فيتنام، ما أدخل الأخيرة في عزلة إقليميّة عززت عزلتها الدوليّة. هكذا، لم يبق للبلد المستقل حديثاً حلفاء دوليّون عدا الاتحاد السوفياتي، فبُنيت السياسة الاقتصاديّة على الشاكلة السوفياتيّة، وشهدت بالنتيجة نفس تحولاتها. فمع توجه السوفيات نحو «سياسة الانفتاح» في الثمانينيات، بدأت فيتنام بمراجعاتها، فسمحت بوجود أعمال حُرّة، ووقّعت عام 1991 اتفاق سلام مع كمبوديا، وبدأت بتحسين علاقاتها مع الولايات المتحدة من بوابة «معالجة جراح الماضي»، إذ فُتح في بداية التسعينيات مكتب للبحث عن جثث القتلى الأميركيّين.
تبعت تلك الخطوة إجراءات أخرى: رُفعت القيود على السفر، وفتح البلدان مكاتب دبلوماسيّة، وأزيل عام 1994 الحصار الاقتصاديّ. ترافق التطبيع السياسيّ مع آخر اقتصاديّ، حيث وقّعت فيتنام وأميركا اتفاق تجارة ثنائيّ عام 2001 تم بموجبه التخلّي عن الضرائب في عدد من البضائع وتخفيضها على عدد آخر. تواصلت لبرلة الاقتصاد الفيتناميّ بالانضمام إلى «منظمة التجارة العالميّة» عام 2007، ثم توقيع «اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادئ» مع 11 بلداً آخر عام 2015 (قرر ترامب الانسحاب من الاتفاق مطلع العام الماضي).
تقارَبَ البلدان عسكريّاً أيضاً، حيث رفعت أميركا قبل عامين الحظر على بيع الأسلحة القاتلة إلى فيتنام، وتركز التنسيق والتعاون خاصّة في ما يتعلق بالأمن البحريّ وسط تصاعد توتر الصراع في بحر الصين الجنوبيّ. وفي هذا السياق، ترى أميركا في فيتنام حليفاً مهمّاً في المنطقة، وكتعبير واضح عن ذلك، يقول أستاذ دراسات آسيا والمحيط الهادي، ألكسندر فوفنغ، في مقال بعنوان «ما يمكن لفيتنام أن تمنحه لأميركا»: «في حال وجود تحالف، يُمكن لفيتنام دفع القوّة الأميركيّة إلى مدى أبعد، ويعود ذلك في المقام الأول إلى موقعها الاستراتيجي، وإلى خبرتها التاريخيّة الثريّة في التعامل مع الصين في الحرب والسلم لأكثر من ألفي عام».
لكن من جهة أخرى، يبدو أنّ هذه النظرة الأميركية للتحالف بين البلدين تنافي حقائق الواقع، إذ لا يمكن لأي تحالف بينهما بلوغ مستوى استراتيجيّ لعدد من العوامل، لعلّ أهمها هواجس الماضي التي ما زالت تسكن الزعماء الفيتناميّين وتقودهم في اتجاه تنويع علاقاتهم والإبقاء على توازنها، ويتلخّص ذلك في سياستهم العسكريّة المبنيّة على «مبدأ اللاءات الثلاث»: لا تحالفات عسكريّة، لا قوّات أجنبيّة على الأراضي الفيتناميّة، ولا انحياز مع قوّة أجنبيّة لمحاربة أخرى.