نواكشوط | قبل قدوم الرئيس رجب طيب أردوغان بأيامٍ عدّة إلى موريتانيا، دار في الوسطين الإعلامي والسياسيّ، وحتّى الشعبيّ أيضاً، حديثٌ جمّ عن الزيارة المرتقبة وما سيجري ضمن أعمالها من اتفاقات ومشاريع وخطط تعاونية. وكان جزء من ذلك الحديث مرتكزاً على تقديم الرئيس التركيّ بقدرٍ من الإعجاب في صورةٍ «نموذجية» جداً. ومع أنه كانت هناك أيضاً أصوات ضد تلك «الصورة النموذجية» للرجل، فإنّ المشهد العام قد غلب عليه تقريباً صوت الترحيب.


زيارة أردوغان لموريتانيا، جاءت كمحطةٍ ثانية بعد الجزائر، ضمن زيارةٍ يقوم بها لعددٍ من الدول الأفريقية سعياً إلى تعزيز وجود الشركات التركية في المنطقة، وبالتالي تعزيز العلاقات الدبلوماسية بين بلدان الساحل الأفريقي وبلده. إلا أنّه في الحالة الموريتانية، لم يقتصر «تثمين» الزيارة على الجانب الرسمي فقط، بل شمل أيضاً بعض الأحزاب والشخصيات السياسية الفاعلة في الشأن العام بالبلاد.
وبعيداً عن إبراز العلاقات الثقافية والتاريخية بين تركيا وموريتانيا، وهو ما جرى ضمن فعاليات الزيارة من قبل المسؤولين الرسميين تقريباً، فإن المسوّغات التي قدمت أكثر من غيرها للزيارة جاءت في صيغة «تبادل للمصالح» في ضوء تطورات سياسية واقتصادية شديدة الأهمية. فالرئيس التركي منذ جاء إلى سدّة الحكم، أعطى للدول الأفريقية أهميةً استراتيجيّة في منظومته الديبلوماسية. وحالياً مثّلت زيارته هذه، برفقة أعدادٍ كبيرة من رجال الأعمال والمستثمرين، تجسيداً لتلك الرؤية الاستراتيجية على مناحٍ عدة، ويعدّ المنحى الاقتصادي أهمها على الإطلاق. ومن المهم الإشارة إلى أنّ الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز يربط نواكشوط بعلاقات مع السعودية والإمارات، على حساب قطر حليفة تركيا.

اطردوا غولن ... نهائياً

في قراءةٍ تحليلية، يبدو أن الزيارة أيضاً جاءت لتقوية الوجود التركيّ، تحت مظلة حكم أردوغان، في المنطقة، وذلك من خلال إضعاف أو القضاء على التأثيرات الكبيرة التي يتمتع بها «خصمه السياسي» فتح الله غولن إثر مشاريع اقتصادية له في عددٍ من بلدان أفريقيا، علماً بأنّ الرئاسة التركية أعلنت في 27 شباط الماضي أنّ «منظمة غولن استغلت بلدان أفريقيا وتغلغلت فيها أكثر من غيرها». وفي مقابلة نشرتها مجلة «جون أفريك» قبل أربعة أيام، «ثمّن» النائب التركي عن «العدالة والتنمية»، جمال الدين طورون، «التعاون الذي يبديه في هذا الخصوص المسؤولون الأفارقة».
جدير بالذكر، أنّه في وقت مبكر نسبياً، تفطّن فتح الله غولن إلى ما تَعِدُ به موريتانيا من فرصٍ للاستثمار التجاري والانتشار الفكريّ في جوٍّ يطبعه الهدوء شبه التام. لذا لم يكن من الغريب في السنوات الأخيرة، وتحديداً بالتزامن مع تشديد أردوغان لسطوته على الحكم، أن يُلاحظ البعضُ مساعيه «الخفية» للتمدّد والتوغل في البلاد. ومع أنه في موريتانيا يوجد تيارٌ «إسلاميّ» نشيط، وعلى صلاتٍ معتبرة بنظيره التركي الحاكم، إلا أن ذلك لم يمنع غولن من تأسيس مجموعة مدارس ومراكزَ تعليمية وثقافية خاصّة به، لن تلبث أن تصبح محوريةً في الساحة العامة بالبلاد. وتعدّ مجموعة « مدارس برج العلم» و«مركز الأناضول» أشهر النقاط الاقتصادية والتربوية التابعة لغولن، وذلك بالطبع قبل إغلاقهما وتحويلهما، مطلع عام 2017، إلى «وقف معارف» تابع رسمياً لتركيا.

إذابة الجليد

رغم ضيق الوقت، جاءت زيارة الرئيس التركي محمَّلة قضايا وملفات عدة جرى التعامل معها على المستوى الرسمي بقدرٍ من الجديّة. وكما لو أن الأمر يتعلق بفرصةٍ كبيرة في سياقٍ محليّ شديد الحساسية، سعى النظام الحاكم إلى إنجاح الزيارة واستغلالها على أتمّ نحو لتأكيد متانة صلاته الخارجية و«قوّتها». وربما ممّا ساعد على تحقق ذلك، أنّ بعض أطراف المعارضة البارزة، المصنّفة عادةً كخصمٍ سياسيّ له، كانت قد عبرت عن ترحيبٍ حماسي بالزائر القادم حال وصوله للبلاد. وهنا بدا أن الطابع البراغماتي البحت للزيارة كان السمة الأبرز في سياق حدوثها دون المبالاة بأي اعتباراتٍ ومواقف مسبّقة، كان من شأن أي تحليل عفويّ أن يعتبرها عاملاً شديد الفاعلية والتأثير أثناء الزيارة. لكن في الحقيقة إن لغة المصالح المجردة كانت هي المنطلق الأساسي، ولو أن المجال خلا لغيرها، في تلك الحالة، لما تحققت الزيارة أصلاً.
هكذا بعد خطابات الترحيب والتقدير، الملقاة من قبل كلا الطرفين في مؤتمرٍ صحافي مشترك، بدأ الغرض من الزيارة يبرز: توقيع عددٍ من الاتفاقات الاقتصادية والتجارية ومذكرات التعاون. فأما الاتفاقيات الاقتصادية فكانت متمحورةً في ثلاثة مجالات وقّع عليها وزراء من حكومتي الجانبين: اتفاقية أولى بخصوص «حماية الاستثمارات وتعزيزها بين الدولتين»، واتفاقية ثانية تتعلق بـ«التعاون في مجال الصيد والاقتصاد البحري»، هذا في حين كانت الاتفاقية الثالثة حول «التعاون في المجال السياحي». وأما مذكرتي التفاهم الموقعتين فلم تبتعد أيضاً عن المجال الاقتصادي: تعلقت الأولى منهما بـ«مجال الهيدروكربون والمعادن»، فيما تعلقت الثانية بـ«المجال الزراعي».


يسعى لتعزيز
العلاقات الدبلوماسية بين بلدان الساحل الأفريقي وأنقرة


بعيد ذلك، غرّد الرئيس التركي، في حسابه على «تويتر»، قائلاً إنّ بلاده «تخطط لشراكة في مجالات عدة مع موريتانيا» مشيراً إلى ما جرى عقده وتوقيعه من مشاريع مشتركة. وبدوره علّق الرئيس الموريتاني، قائلاً إنّ زيارة الرئيس التركي لبلاده قد أدّت إلى «نتائج إيجابية»، وأنها «ستفتح آفاقاً لتطوير التعاون بين البلدين الشقيقين في مجالات استراتيجية كالزراعة والمعادن والتجارة والسياحة». ولم يفت الرئيس الموريتاني، في ذلك الصدد، «تثمين» وقوف نظيره التركي إلى جانب «مجموعة الساحل الخمس» في جهودها «للتصدي لمخاطر الإرهاب والتطرف والتهريب وتجارة المخدرات».
وفي تحليلٍ وتقييم للزيارة، يؤكد الباحث في الشؤون الأفريقية سيدي ولد عبد المالك، لـ«الأخبار»، أنها «خطوة نحو إذابة جليد العلاقات بين البلدين بعدما شهدت فتوراً كبيراً، لعل سببه الرئيسي يعود إلى حالةٍ من غياب الثقة بين النظامين على أساس دعم تركيا للربيع العربي والتيارات الإسلامية في مقابل مواقف النظام الموريتاني المتحفظة والمتوجسة من الربيع العربي وإفرازاته». وكتحديد للطابع العام للزيارة، يضيف ولد عبد المالك: «يبدو أن المحور الاقتصادي كان الأبرز في الزيارة التي دامت فقط لساعات قليلة، فتركيا لديها عدة أدوات لإيجاد موطئ قدم في القارة الإفريقية، إذ إنها من جهة تستخدم التعاون العسكري والجوانب الصحية والاجتماعية لتعزيز تعاونها مع أفريقيا، مع التركيز في نفس الوقت على الشق الاقتصادي، وقد اصطحب الرئيس أردوغان معه 140 رجل أعمال موزعين على مجالات وقطاعات تجارية واقتصادية مختلفة». ويُبدي اعتقاده بأنّ الزيارة «مهمة في حد ذاتها، وإن كانت نتائجها ضعيفة قياساً بنتائج زيارة باقي المحطات الأفريقية والعربية كالجزائر والسنغال ومالي».
بدوره، لا يختلف رئيس «المركز المغاربي للدراسات الاستراتيجية»، ديدي ولد السالك، كثيراً في رأيه بالزيارة، إذ يرى في تصريحٍ إلى «الأخبار» أنّ «البعدين السياسي والاقتصادي هما محورها»، وأنها «تدخل ضمن الاستراتيجية التركية للاستفادة من السوق الأفريقية الواعدة؛ لأنها ما زالت قارةً بِكراً، وستكون هي محرك النمو العالمي خلال العقود المقبلة».