«كانت رحلة شاقة، من دون تنازلات». بهذه الكلمات اختصر وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان، نتائج زيارته لإيران، في ردّه على أسئلة الصحافيين وهو عائد إلى باريس. كلمات تجلي خيبة الأمل التي مُني بها عميد الدبلوماسية الفرنسية، بعدما آلت محاولاته إقناع طهران بقبول تقييد برنامجها للصواريخ الباليستية إلى الفشل. هذا الإخفاق الذي يُتوّج مساعي مكثفة بدأها الأوروبيون، منذ إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب ما سمّاه «الإنذار الأخير» لـ«الجمهورية الإسلامية» (في كانون الثاني/ يناير الماضي)، للحيلولة دون انهيار الاتفاق، يضع شركاء الولايات المتحدة أمام تحديات جسيمة، في وقت لا تبدو فيه مهلة الشهرين التي تفصلهم عن الموعد الجديد لتقرير ترامب تمديد إعفاء إيران من العقوبات من عدمه (12 أيار/ مايو المقبل) كافية لإحراز تقدم. حتى الآن، لا شيء يشي بتبدّل في وجهة نظر الدول الأوروبية، وفي مقدمها فرنسا، القائمة على أن انتزاع تنازلات من إيران في ملف البرنامج الباليستي سيكون كفيلاً بإرضاء الولايات المتحدة، إذ إن الفرنسيين، الذين يغلفون وجهة نظرهم تلك بالقول إن «لدينا مخاوفنا الخاصة»، لا يزالون متمسكين، وفقاً لما ذكر مصدر دبلوماسي فرنسي تزامناً مع زيارة لودريان، بأن «برنامج إيران للصواريخ الباليستية لا يتوافق مع الاتفاق النووي»، خصوصاً في ظل «القلق من إمكانية نقل القدرة على تصنيع صواريخ باليستية إلى أطراف إقليمية، وبهذا نعني حزب الله».


إلا أن تطلعات باريس، التي لا تزال إلى الساعة مقصورة على الشق الأول فقط من التعديلات الأميركية المطلوبة على «الخطة المشتركة الشاملة» (والمتضمنة في برقية مرسلة من وزارة الخارجية الأميركية إلى ثلاثة حلفاء أوروبيين أميط اللثام عنها أواسط شباط/ فبراير الماضي)، لم تلقَ ولو تفهّماً لدى الإيرانيين، إذ «(إننا) قلنا للفرنسيين لا تتدخلوا في منطقة لا تعنيكم»، على حدّ تعبير المتحدث باسم الحكومة الإيرانية، محمد باقر نوبخت، في تصريحات أدلى بها أمس. تصريحات تشي باستحالة تحقق الحد الأدنى من مطالب واشنطن، والتي تشمل أيضاً، بحسب الوثيقة المشار إليها آنفاً، ضمان «تفتيش محكم» من قِبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية للمواقع الإيرانية، و«إصلاح العيوب المتعلقة ببند المدة الزمنية» التي ترتفع بانقضائها القيود المفروضة على البرنامج النووي. ولعلّ ذلك هو ما دفع نائب الرئيس الأميركي، مايك بنس، إلى التلويح، ليل الإثنين ــ الثلاثاء، بالانسحاب من الاتفاق، والتهديد بـ«التصدي لموقف إيران العدواني واستفزازاتها»، في مسعى لتصعيد الضغوط على الشركاء الأوروبيين.


جدّدت إيران التلويح بمعاودة التخصيب
بنسبة 20%


على المقلب الإيراني، لم يغاير الموقف ما بعد زيارة لودريان الموقف ما قبلها وخلالها. مستشار المرشد الإيراني للشوؤن الدولية، علي ولايتي، قال، في تصريح صحافي أمس، إن الوزير الفرنسي «تيقن من أنه لن يجني من هذه الزيارة شيئاً يتعارض مع مصالح الإيرانيين»، مضيفاً أن «مسؤولينا أوضحوا له بدقة وجهات نظر الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، مؤكداً أنه «إذا كان الأميركيون يسعون لفرض قيود على برنامجنا الدفاعي، فإن الشعب والحكومة لن يستسلما لذلك». بدوره، أشار نوبخت، في مؤتمره الصحافي الأسبوعي، إلى «(أننا) قلنا مراراً إننا نبذل جهودنا لتقوية قدراتنا الدفاعية بالقدر اللازم، وليس ذلك مرتبطاً بموافقة إسرائيل أو المسؤولين الأوروبيين»، مجدداً التلويح بأنه «لو ارتكب ترامب هذا الخطأ الكبير (الانسحاب من الاتفاق)، فإن الجمهورية الإسلامية ستصل إلى نسبة تخصيب تبلغ 20 في المئة في فترة قصيرة، وسنقوم بالتخصيب بمقدار ما نريد، وليس بإمكان أيّ عين مراقبة ذلك». وإلى جانب تصريحات المسؤولين الإيرانيين، طغت النبرة «الحازمة» عينها على الصحف الصادرة صباح الثلاثاء، والتي أجمعت على تظهير الرفض الرسمي لأيّ تعديل على «الخطة المشتركة»، فيما ذهب بعضها بعيداً في مهاجمة لودريان بقوله إن «الضيف الوقح مرّ مرور الكرام».
(الأخبار)