لهجة التصعيد توقفت، وحان وقت الحوار. مبادرةٌ بدأها الرئيس الكوري الشمالي، كيم جونغ أون، لتشمل أولاً العلاقات مع الجارة «الجنوبية»، وليُلحق بها أخيراً، الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، حين نقل إليه رسالةً تفيد بأنّه مستعد للقاء. إعلانٌ فاجأ الجميع برغم أنه لا يُعاكس مسارات بيونغ يانغ الحالية، وقد وافق ترامب على اللقاء، في غضون أسابيع قليلة.


الإعلان المقتضب جاء على لسان مستشار الأمن القومي للرئيس الكوري الجنوبي، تشونغ أوي يونغ، أمام الجناح الغربي للبيت الأبيض، قائلاً إنّ «ترامب قَبِل الدعوة إلى هذه القمة التاريخية»، بعدما «عبّر» كيم عن «رغبته في لقاء الرئيس ترامب في أسرع وقتٍ ممكن». وأضاف تشونغ أن «ترامب أعرب عن تقديره لهذه الإحاطة»، في إشارة إلى التقرير الذي رفعه الدبلوماسيون الكوريون الجنوبيون إلى واشنطن بعد لقائهم نظراءهم في الشمال قبل أيام. وقال إنّ ترامب «سيجتمع مع كيم جونغ أون بحلول أيار المقبل، لتحقيق نزع دائم للسلاح النووي».
مؤشرات «الهدوء» في شبه الجزيرة الكورية كانت قد ظهرت بداية العام مع استئناف المحادثات بين الكوريتين خلال دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في بيونغ تشانغ. وبعد محادثات طويلة الاثنين الماضي، مع الرئيس الكوري الشمالي، أكد تشونغ أنّ كيم مستعد لتحريك ملف الترسانة النووية لبيونغ يانغ الذي كان يُعَدّ، حتى وقتٍ قريب، من المحرّمات، وذلك كبادرة «لحوار صريح» مع الولايات المتحدة. ومن المقرر أن تسبق القمة المفترضة، قمة بين سيول وبيونغ يانغ أواخر نيسان المقبل.
فور إذاعة الخبر «الطارئ»، سارع الرئيس الأميركي إلى الترحيب عبر تويتر بـ«التقدّم الكبير» الذي أُحرز في ملف كوريا الشمالية، مشيراً إلى أن كيم ناقش مسألة «نزع» الأسلحة النووية مع ممثلي كوريا الجنوبية، وليس فقط مجرد «تجميد» للأنشطة النووية. ولكن ترامب أكّد أنّ «العقوبات يجب أن تبقى مفروضة إلى أن يجري التوصل إلى اتفاق» (راجع الكادر أدناه). وفي ما قد يُعدُّ تنازلاً كبيراً من جانب كوريا الشمالية، شرح تشونغ أنّ كيم «يتفهم أنه ينبغي المضي قدماً في التدريبات العسكرية المشتركة بين جمهورية كوريا (الجنوبية) والولايات المتحدة».


مؤشرات «الهدوء»
في شبه الجزيرة الكورية ظهرت
في بداية العام

في غضون ذلك، تتالت ردود الفعل الدولية، إذ وصف رئيس كوريا الجنوبية، مون جاي إن، القمة المرتقبة، بأنها بمثابة «منعطف تاريخي» في إزالة الأسلحة النووية من شبه الجزيرة الكورية. ورحب رئيس الوزراء الياباني، شينزو آبي، «بالتغيير من قبل كوريا الشمالية»، معتبراً أن القمة المرتقبة «نتيجة التعاون بين الولايات المتحدة واليابان والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية بهدف الإبقاء على ضغط قوي بالتوافق مع الأسرة الدولية».
الصين بدورها، وهي «عرّابة الشمال» كما يصفها بعض الإعلام العالمي، دعت الولايات المتحدة وكوريا الشمالية إلى التحلّي بـ«الشجاعة السياسية لاتخاذ القرارات الصائبة»، ورحّبت بـ«الإشارة الإيجابية التي سيشكلها هذا الحوار المباشر بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية». وقال المتحدث باسم خارجيتها جينغ شوانغ، إن «مسألة النووي في شبه الجزيرة الكورية تسير في الاتجاه السليم». ورداً على سؤال عمّا إذا كانت بكين تنوي عرض استضافة القمة، اكتفى بالرد أنّ بلاده تلعب دوراً «لا غنى عنه» لتهدئة التوتر.
أما موسكو، فصرح وزير خارجيتها، سيرغي لافروف، من أديس أبابا، بأنّ الإعلان عن قمة هو «خطوة في الاتجاه الصحيح»، مضيفاً: «نأمل حصول هذا اللقاء... بالتأكيد، نحن بحاجة إلى ذلك من أجل تسوية الوضع في شبه الجزيرة الكورية». أما أوروبياً، فقد عبّر الاتحاد الأوروبي عن تفاؤله بأن يؤدي الاجتماع بين واشنطن وبيونغ يانغ إلى حل قضية برنامج الأخيرة «النووي» من طريق التفاوض.
برغم كل هذه الأجواء، فإنّ ما جرى ببساطة هو أنّ «كيم يدعو ترامب ليثبِت أنّ الاستثمار في السلاح النووي وفي القدرات الصاروخية، دفع الولايات المتحدة نحو التعامل معه على قدم المساواة»، علّق أمس، الباحث في شؤون التسلّح جيفري لويس. وهكذا، أثبت حاكم كوريا الشمالية الذي يكاد مجمل الإعلام الغربي يجتمع حول وصفه بأنّه «الشيطان الأكبر»، بأنّ لعبه على حافة الهاوية خلال الصيف الماضي، في مواجهة الأميركيين، كان تصرفاً عقلانياً، بخاصة أنّه يأتي من بلد يُطبِق عليه الأميركيون منذ نحو سبعين عاماً، وكانوا مراراً يدفعونه نحو المزيد من التشدد.
لعلّ ما جرى أمس، يُحيل سريعاً إلى قصة المبدع ستيفان زفايغ، «لاعب الشطرنج» المنشورة في أربعينيات القرن الماضي، وفيها أنّ «مجهولاً» يفوز أثناء رحلة على متن سفينة، على «بطل العالم في الشطرنج زينتوفيك». في الجولة الأولى من المواجهة بين الرجلين «حدث شيء لم يكن أحدٌ منّا يتوقعه، رفع زينتوفيك يده الثقيلة ببطء فعلقت به أنظارنا... بعثر قطع الشطرنج بظهر يده، ولم ندرك على الفور أنّه يعني بذلك تخليه عن المباراة وأنّه يستسلم قبل أن نرى هزيمته حين تقع». برغم ذلك، فبين دولة كيم والأميركيين جولات عدّة منتظرة، سيكون لها سيناريوهات مرعبة ربما، ولكن الأكيد أنّ الجولة الآتية ذكّرت بقصة «لاعب الشطرنج» التي مثّلت «انعكاساً لحقبتها الآسرة».
(الأخبار)




بكين ــ واشنطن: الإبقاء على العقوبات


أعلن البيت الأبيض أمس، أن الرئيس الصيني شي جين بينغ، يؤيد إبقاء العقوبات على كوريا الشمالية. وبعد اتصال بين شي وترامب، قال البيت الأبيض إنّ «الزعيمين يرحبان بآفاق الحوار بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية»، كذلك فإنّهما «ملتزمان الإبقاء على الضغوط والعقوبات إلى أن تتخذ كوريا الشمالية خطوات ملموسة نحو نزع كامل وقابل للتحقق ولا رجعة فيه للأسلحة النووية».
من جهة أخرى، قال وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون: «بصراحة، لقد شكل الأمر مفاجأة قليلاً بالنسبة إلينا، أن يبدي (كيم) مثل هذا الانفتاح في محادثاته مع الوفد الكوري الجنوبي». وأضاف: «أعتقد أنه التقرير الأكثر إيجابية الذي نتلقاه، ليس فقط حول رغبة كيم جونغ أون، بل حول رغبته الفعلية في إجراء مباحثات». وتابع: «ما تغيّر هو موقفه وبشكل كبير... الآن يجب الاتفاق على توقيت أول لقاء، وهذا الأمر سيستغرق أسابيع قبل أن تتم تسوية كل شيء».