لم يكن عمدة نيويورك الجديد، بيل دي بلازيو، السياسي الأميركي الوحيد ذا التوجهات الاجتماعية ـــ أو الاشتراكية ـــ الذي يتسلم مركزاً رسمياً بداية عام 2014 ويُبشّر بتجربة جديدة في عالم السياسة الرأسمالية في الولايات المتّحدة.

في الأوّل من كانون الثاني أيضاً، تسلّمت الناشطة السياسية الاشتراكية كشاما ساوانت ـــ وهي مهندسة برامج من أصول هندية كانت تعمل أيضاً أستاذة اقتصاد بدوام جزئي ـــ مقعدها في المجلس البلدي لمدينة سياتل التي تقع في شمال غرب الأميركي، أي في مقابل نيويورك مباشرة.

نعم، اشتراكية صافية تفوز بمقعد سياسي في هذه المدينة التي تُعدّ الأبرز في ولاية واشنطن ومن أشهر المدن التكنولوجية الأميركية. إنجازها هو الأوّل من نوعه خلال أكثر من مئة عام في المدينة، وتحديداً منذ تحقيق الناشطة التقدمية آن لويز ستروغ إنجازاً مشابهاً في عام 1916.
نجاح كشاما ساوانت ـــ الذي تحقق مباشرة بعدما كانت قد خسرت في انتخابات مجلس النواب ـــ له رونق معين كونه يحدث في أكثر المدن الأميركية نمواً وكونه يُغذي الحياة السياسية في بلاد كرهها كثيرون بسبب سياسييها المحافظين. ولكن هذا النجاح ليس الوحيد من نوعه الذي يتحقق في الولايات المتحدة خلال السنوات القليلة الماضية.
ففي عام 2007، فاز بيرني ساندرز بمقعد السيناتور عن ولاية فيرمونت في عام 2007، وكان أوّل سياسي اشتراكي (اشتراكي ديموقراطي على طريقة البلدان الاسكندينافية) يُحقّق هكذا إنجاز خلال ستة عقود. ينشرح قلب الرئيس الديموقراطي باراك أوباما على الأرجح بهذه الخروقات السياسية، وإن كانت لصالح اليسار ضدّ أبناء حزبه، فهو أساساً يخوض معركة كسر عظم مع الحزب الجمهوري الذي يرفض سياساته صوب تعزيز دور الدولة؛ أبرزها في مجال الرعاية الصحية لتأمين الضمان لعشرات ملايين الأميركيين الذين يفتقدونه. ويعمد أعداؤه السياسيون إلى استخدام حجّة أنه معادٍ للشركات ولحرية المبادرة التي يقوم عليها الاقتصاد الأميركي لكي يهاجموه.
هذا لا يعني أن الجناح اليساري في الحزب الديموقراطي يتبنّى اليوم تعاليم كارل ماركس، ولكن المؤشرات المختلفة التي يُصدرها المجتمع الأميركي عموماً منذ خمسة أعوام بالحد الأدنى تُظهر ميولاً لم تشهدها البلاد منذ إبرام العقد الاجتماعي قبل وبعد الحرب العالمية الثانية، وهذه المرّة من منطلقات مختلفة لا تتعلق فقط بالتحفيز الاقتصادي؛ في الثمانينيات، ابتعدت أميركا عن تلك القيم كأنها مرض القرن العشرين.
في مقابل تلك المؤشرات الإيجابية، يبقى طيفٌ واسع من كل فئات المجتمع مصراً على حيوية اليد الخفية وأولوية الشركات أمام الصالح العام (راجع الكادر المرفق). إنها الحجة التقليدية التي يروّجها الأكاديميون في المعسكر المحافظ: هناك عدم مساواة في توزيع الدخل في الولايات المتّحدة، غير أنّ معدلات السوء ليست أفدح من باقي البلدان، أكانت متقدمة أم نامية. يوافق هؤلاء ـــ وعلى رأسهم «حزب الشاي» في القلب المحافظ لأميركا ـــ على أنّ مداخيل الـ 1% الأغنى من الشعب تُعدّ غير متناسبة مع كيفية توزع الدخل على باقي شرائح المجتمع، غير أنّهم يشذّون في التحليل صوب أفكار مثل أن «الأميركيين يجب أن يهتمّوا بحال الأمة جمعاء عوضاً عن البحث في ما إذا كان مدخول شريحة معينة أكبر من مداخيل الشرائح الأخرى». بهذه البساطة، يحسم أستاذ الاقتصاد الكلي في جامعة «ستانفورد»، لي أوهانيان، والمستثمر كيب هاغوبيان، النقاش في ورقة بحثية عن «سوء قياس عدم المساواة» نشرت في خريف 2012. برأيهما، فإنّ «السياسات العامّة يجب أن تركّز على توفير مناخ عادل من الفرص الاقتصادية وليس على عدالة توزيع الدخل». وبالتالي فإنّ زيادة الضرائب على الفئة الأغنى من المجتمع الأميركي لا تحقق مزيداً من العدالة، وبالتالي يجب مواجهة جهود الإدارة الأميركية في هذا المجال (وذلك رغم طلب الأغنياء، مثل الملياردير وارن بافيت، زيادة الضرائب لأنها منخفضة جداً!).
يصف المفكّر الأميركي نوام تشومسكي حركة لوبيات السياسة الرأسمالية الأميركية التي تولّد هذا النوع من الأفكار بأنها امتداد لحرب طبقية عميقة في التاريخ تُشنّ ضدّ العمّال والفقراء. «تُدار هذه الحرب من قبل مجتمع الأعمال الذي تعي قيادته طبيعة الانقسامات الطبقية» وهذا الأمر يُشكّل أحد الأسباب التي تجعل تاريخ الحركة العمالية في الولايات المتّحدة غريبة إلى هذا الحدّ. «في الولايات المتّحدة، تعرّضت التنظيمات العمالية مراراً وتكراراً للقمع بقوّة وعانت كثيراً من العنف مقارنة (برديفتها) في باقي البلدان».
في آخر إسهاماته الفكرية «تأملات حول الحرب الطبقية، الثورة والتضامن» ـــ الكتيب الخاص بحركة الثورة الأميركية «Occupy» ـــ يعود نوام تشومسكي إلى القرن التاسع عشر، ليُذكّر بأنّ الحركات العمالية، بصفتها المولود الاجتماعي الاقتصادي للأفكار التقدمية، كانت مزدهرة في الولايات المتّحدة. تكساس مثلاً، التي تُعدّ حالياً أحد معاقل اليمين، كانت معقل منظمة «فرسان العمل» التي كان تُعد حركة شعبية قائمة على تكتل الفلاحين. «من الصعب تصديق هذا الأمر، ولكن (هذه المنظمة) كانت متطرفة فعلاً» يقول تشومسكي. «كانوا يريدون مصارفهم الخاصة، وتعاونياتهم الخاصة إضافة إلى السيطرة على المبيعات». وقد توسعت نشاطات هذه المنظمة صوب مناطق أخرى ومدت يدها لمنظمات مثل ائتلاف الفلاحين، «وأصبحت إحدى أكثر القوى ديموقراطية وشعبية في التاريخ الأميركي... ولكن جرى قمع فرسان العمل عن طريق العنف، وفي نهاية المطاف حلّها». هل يكون مصير بيل دي بلازيو وزملائه أصحاب التوجهات الاجتماعية مشابهاً لما حلّ بـ«فرسان العمل»؟ هل يتعرّضون للتعنيف السياسي وللهجوم من العالم الرأسمالي؟ هذا ما ننتظره من تجربة نيويورك وسائر المدن التي أضحت تفضل اللباس باللون الأحمر.




الخوف من الدولة يبقى موجوداً

لا يُمكن القول إنّ العدو الأبرز للولايات المتّحدة على مرّ التاريخ، أي تعاليم الشيوعية أو الاشتراكية، أضحى مقبولاً على نحو عريض في المجتمع. فبحسب استطلاع للرأي نشرته شركة «غالوب» أخيراً، أعرب 72% من الأميركيين عن اعتقادهم بأن «الحكومة القوية» (Big Government) ـــ أي الدولة بوصفها جهازاً اقتصادياً متضخماً ـــ تُعدّ الخطر الأبرز على المجتمع خلال المستقبل. هذا الخوف هو عند مستوى قياسي ويعكس مخاوف تُغذيها لوبيات الشركات والمحافظين منذ تسلّم باراك أوباما الرئاسة وصياغة برنامج لتعزيز تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية. نجحت جهود المحافظين في هذا المجال إلى درجة أن المستطلعة آراؤهم يرون في الدولة خطراً أكبر من خطر «الشركات العملاقة» ومن «الاتحادات العمالية القوية». وللمقارنة، عندما طرحت «غالوب» هذا السؤال للمرة الأولى عام 1965، كانت نسبة الذين يرون في الدولة الكابوس الأكثر سواداً 35% فقط.