الضفة الغربية | «لقد سعى المتمردون على مر التاريخ إلى إثارة الفوضى ضد الأنظمة السياسية القائمة، وذلك في محاولة لتشويه سمعة الحكومة وحلفائها، وغالباً ما تنطوي استراتيجيات المتمردين على الكمائن والهجمات في المناطق المكتظة بالسكان لإنتاج معارك تعرض المدنيين للخطر، ويعتبر كل من الجيش الجمهوري الأيرلندي، وتنظيم القاعدة، وحركة حماس الفلسطينية أكثر الحركات ذات السمعة السيئة في هذا المجال».


بهذه الكلمات يشرح معدو دليل مكافحة التمرد الجديد الذي اصدرته القيادة المشتركة للجيوش الأميركية الذي نشر في 22 تشرين الثاني 2013، كيفية تفكيك حركات المتمردين والقضاء عليها لإنقاذ حياة المدنيين وضمان الاستقرار السياسي لحلفاء الولايات المتحدة أينما حلوا.
انطلاقاً من استمرار الحملات الأميركية الإعلامية والاقتصادية والعسكرية ضمن ما أطلقت عليه إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الحرب على «الإرهاب»، نحن أمام نسخة جديدة ومعدَّلة من دليل مكافحة التمرد. يتكون الدليل الجديد من ثمانية فصول، وأربعة ملاحق، حيث حُذفت الملحقات الخاصة بفرق إعادة إعمار المحافظات، ونهج المتمردين، وعلاقة التمرد بالجريمة، والتنسيق بين المشترك خلال قيادة العمليات المشتركة، فيما أُضيف ملاحق عن العمليات المدنية ـ العسكرية وأهم أهدافها والعوامل المؤثرة في نجاحها، ودور السلطات في عمليات مكافحة التمرد، وأمثلة على المعايير والخطوط العريضة مع أمثلة على تعاليم تطبيق مكافحة التمرد.
قراءة الدليل

ما بين المقاومة و«التمرد»

تتمحور التغييرات في الدليل الجديد حول إعادة صياغة مفهوم «مكافحة التمرد» كمفهوم لجهود مدنية عسكرية شاملة، مصمَّمة لهزيمة واحتواء علميات التمرد ومعالجة أسبابها الجذرية. كذلك تطرح مبادئ مكافحة التمرد وتعاليمها، من أجل فهم شامل نقدي للاستراتيجيات التي تتبعها الولايات المتحدة وحلفاؤها للقضاء على منابع «الإرهاب» حسب ما ورد في الدليل المحدَث. ومن أجل الوصول إلى استيعاب كامل للاستراتيجيات الواردة في الدليل، ينبغي أن نضع نصب أعيننا أمرين مهمين من شأنهما توضيح السياق العملي للدليل.
أولاً: الاتفاق على أن التمرد والمتمردين هما المصطلحان المرادفان لكلمتي «المقاومة والمقاومون» في العرف الفلسطيني واللبناني والعراقي والأفغاني واليمني والجزائري. بناءً عليه، إن مكافحة التمرد في أبسط معانيها تعني «مكافحة وتفكيك حركات مقاومة إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية».
ثانياً: لا بد من التذكير في ما يقوله المفكر المصري جلال أمين حول لفظ «الإرهاب» الذي استعمل كثيراً في الدليل كمبرر لقتل المدنيين باستخدام طائرات بلا طيار. يقول أمين: «هناك دولة أو مجموعة من الدول (خاصة الولايات المتحدة وإسرائيل) دأبت على استخدام هذا اللفظ (الإرهاب) لوصم كثير من الأعمال المعادية لها، بل ولتبرير شن حروب على دول لا خطر منها، ولا تشكل أي تهديد حقيقي، لتحقيق أهداف غير معلنة، ولا تتفق مع المبادئ الإنسانية السائدة، فيقال بدلاً من ذكر الحقيقة إن الحرب شُنت «لمكافحة الإرهاب»».

المقاومة مقابل «التمرد»

يطلق الدليل الجديد مصطلح «التمرد» (Insurgency) على المقاومة ويعرّفها بأنها «مجموعة من أدوات التخريب والإجراءات السياسية والاقتصادية والنفسية، بالإضافة إلى أنها صراع مسلح من أجل الحصول على مكاسب سياسية، حيث يتحول إلى صراع سياسي. عسكري مطوّل بهدف إضعاف سيطرة وشرعية الحكومة القائمة، أو حكومة الاحتلال العسكري، أو الإدارة المدنية المؤقتة، أو إفشال عملية سلام، وزيادة سيطرة وشرعية مطالب المتمردين المركزية». أما عملية مكافحة التمرد( Counterinsurgency) أو ما يعرف بعمليات تفكيك المقاومة فهو في المقام الأول صراع سياسي يتضمن مجموعة واسعة من الأنشطة والعلميات التي تقوم بها حكومة الدولة المضيفة (في الحالة الفلسطينية تعتبر السلطة الفلسطينية هي الدولة المضيفة – Host Nation) بحيث يكون الأمن واحداً من تلك الأنشطة، ويجب على حكومة الدولة المضيفة وبالتنسيق مع رئيس البعثة قيادة جهود مكافحة التمرد. أي إنها جهود مدنية ـ عسكرية شاملة تهدف إلى هزيمة الأسباب الجذرية للتمرد واحتوائها ومعالجتها. بالإضافة إلى ما سبق، إن طبيعة التمرد (المقاومة) تتمحور حول اعتماد الجماعات المتمردة (الحركات المقاومة) نهجاً غير منتظم، لأنها تفتقر إلى الموارد اللازمة في بداية المواجهة المباشرة مع الحكومة الحالية (الحروب التقليدية مثالاً). بناءً عليه، من خلال اعتماد أساليب غير منتظمة، يتجنب المتمردون (المقاومون) المعارك الحاسمة التي من الممكن أن تتمتع فيها الحكومة القائمة بتفوق القوة القتالية. مع مرور الوقت، تعمل حركات التمرد على إجبار الحكومة على اللجوء إلى طاولة المفاوضات، أو الانتظار حتى تنمو قوتهم ليتمكنوا من مواجهة الحكومة مباشرة وهزيمة قوات الأمن الحكومية، والسيطرة الفعلية على مقارّ الحكومة.
نهج مكافحة التمرد (تفكيك حركات المقاومة)

يشير القائمون على تحرير الدليل إلى أن القوات المشتركة تحتاج إلى التكييف مع الأساليب والطرق القائمة على الاعتبارات الآتية: السيطرة السياسية، وطبيعة تمركز السكان في مناطق مكافحة التمرد، وتقويم الجهات الفاعلة، وفهم البيئة التشغيلية التنفيذية.
المنهج أو الأسلوب التنفيذي لعمليات مكافحة التمرد تحكمه استراتيجية ذات نهج شامل، ويستند ذاك المنهج كثيراً إلى فهم قائد القوة المشتركة للبيئة التشغيلية (التنفيذية) وبالتحديد نهج «التمرد» ـــ المقاومة، وبناءً على هذا فإن التطوير الناجح لنهج مكافحة التمرد يتطلب الاستمرار بالتحليل، التعلم والتقويم، الحوار والتعاون الدائم بين القائد والطاقم، فضلاً عن الاستعانة بخبرات الوكالات الأخرى والشركاء المتعددي الجنسيات ضمن إطار عمل موحد. وحسب دليل مكافحة التمرد، ترتكز سلطة الحكم القائمة على اندماج عناصر أربعة وتفاعلها، هي: الولاية، النهج، الدعم والموافقة، والتوقعات. عندما تنقطع العلاقة بين الحكومة وتلك العناصر تكون النتيجة المزيد من التحديات.
المقاومة وتفكيك المقاومة:

السرد والسرد المقابل

تاريخياً، يعتبر عدم وجود رقابة حكومية، ووجود مجموعة من السكان معرضين للخطر، وقيادة ثورية قادرة على تبني هذا الاتجاه من أهم الأمور التي تنبئ بأن هذه هي المتطلبات الأساسية لحدوث «تمرد» مقاومة. تعتمد قوة التمرد إلى حد كبير على قدرتها في تشكيل سلوك الأفراد في صفوفها والسكان الذين يتطلب منهم الامتثال أو توفير الدعم. وتتكون استراتيجيات المتمردين من أبعاد سياسية وعسكرية مترابطة، حيث يكون التركيز على كيفية ربط المجموعة من خلال عناصر «الفرصة، الدافع، العوامل أو الوسائل، وطبيعة أهداف المتمردين». كذلك إن النهج التنظيمي والتنفيذي لحركات التمرد مرتبط بمدى قوة الدولة المضيفة.
يحاول «المتمردون» (المقاومون) في كثير من الأحيان استخدام السرد المحلي للحصول على مزيد من المجندين والدعم الشعبي لقضيتهم. حسب الدليل، يجب على مخططي مكافحة التمرد العمل على تعزيز صدقية وشرعيّة رواية (سرد) الدولة المضيفة التي يجب أن تكون رواية متوافقة (موحدة) مع جهود مكافحة فريق مكافحة التمرد الأميركي. ويدعى ذلك السرد سردَ مكافحة التمرد القائم على استغلال الجوانب السلبية لجهود «المتمردين». وهو الأمر الذي يقودنا إلى استيعاب عقلية مكافحي التمرد القائلة إن الحروب التي تكون في مناطق السكان تتطلب في العادة عقلية وقدرات مختلفة عن الحروب التي تركز على الهزيمة العسكرية للعدو. هذا الأمر ينعكس على عمليات مكافحة التمرد، حيث تتطلب التحلي بعقليَة التكييف والمرونة لفهم السكان وتوقع تصرفات «المتمردين» والتصرف بأريحية بين السكان، حتى يكون هناك نهج عمليات شامل وموحد. كذلك يجب فهم البيئة التشغيلية (التنفيذية) وتطوير السردية الخاصة بمكافحة التمرد بحيث تتزامن وتدمج مع خطوط جهود القيادة الموحدة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن السرد يصبح أكثر فعالية وانتشاراً إذا ما دُمج بجهود الوحدات القتالية العاملة على الأرض، وذلك للاحتفاظ بالقدرة على التأثير على السكان المحليين وأخذ مبادرة ضد «المتمردين». برامج الاستقرار والسلام والعزل الجغرافي للمقاومين بالتوازي مع تطوير سردية خاصة بقوات مكافحة التمرد وفي سياق العمليات القائمة في الدولة المضيفة، هنالك الكثير من البرامج والأنشطة التي يمكن تنفيذها كجزء من مكافحة التمرد، بما في ذلك التفاوض والديبلوماسية والتعاون الأمني (أي التعاون ما بين وزارات الداخلية والخارجية ومساعدة قوات الأمن وتقديم الخدمات والمساعدات الأمنية اللازمة) بالإضافة إلى الحروب غير التقليدية، وبرامج مكافحة الإرهاب، وحرب مكافحة العصابات، وبرامج تعزيز الاستقرار والسلام والديموقراطية. تجدر الإشارة إلى أن هناك عمليات رئيسية أخرى مرتبطة بمكافحة التمرد، أي العمليات المدنية والعسكرية، مثل عمليات الأمن البحري وعمليات مكافحة المخدرات. وعلى الجهة الأخرى هنالك العديد من الخيارات التي تؤخَذ في الاعتبار عند إجراء عمليات مكافحة التمرد مثل: مشاركة الأجيال المختلفة في العمليات المدنية، أخذ البصمات، اتباع سياسة العزل الجغرافي، التأثير وإعادة الدمج، الشراكة وإعادة التشكيل، بحيث يكون التعامل مع كل خيار على أنه وسيلة مختلفة، لكنه جزء من ضمن خيارات متكاملة يجب أن تكون ذات تأثير فاعل في البيئة التنفيذية لعمليات مكافحة التمرد.
لا يمكن الحديث بأي حال من الأحوال عن التخطيط لعمليات مكافحة التمرد من دون فهم واضح للدولة والظروف التي يجب أن تتوافر لإنهاء العمليات العسكرية. في بعض الحالات قد تكون هناك حاجة إلى السلطة العسكرية الانتقالية في مناطق لا تسيطر عليها الحكومة، والسلطة العسكرية الانتقالية هي حكومة عسكرية مؤقتة تمارس وظائف الإدارة المدنية في غياب سلطة مدنية شرعية. من المهم حسب مخططي مكافحة التمرد أن تكون السلطة الانتقالية من ضمن ما خطط له في بداية العمليات، ومع الوقت يمكن تحقيق مصالحة أو العمل على دمج المتمردين خلال إطار الاستقرار الذي تحدثت عنه وزارة الدفاع الأميركية (دمج بعض عناصر كتائب شهداء الأقصى في مؤسسات السلطة الفلسطينية الرسمية). بناءً عليه، في حال تدمير البنية التحتية «للمتمردين» وعمل قادة السلطة المحليين على إثبات أنفسهم، يمكن البدء بعملية إصلاح سياسي شامل. وهنا تكون عملية الإصلاح السياسي وما يرافقها من عمليات هندسة اجتماعية بما يتلاءم مع جهود مكافحة التمرد مرتبطة بالوكالات والمنظمات الدولية، والهيئات غير الحكومية، وهنا يؤدي الجيش دوراً مسانداً.
وفي هذا السياق، يعَدّ التقويم عملية ضرورية في إطار مواجهة «المتمردين» (المقاومين) والتعرف إلى الظروف المتغيرة، وتحديد أهميتها في تقدم عملية مكافحة التمرد، الأمر الذي يتطلب من قائد القوات المشتركة أن يمتلك القدرة اللازمة على تحديد الآثار المتوقعة وغير المتوقعة للعمليات، وبالتالي ضمان نجاحه في التكييف مع الظروف المتغيرة.

رابط الدراسة
http://www.dtic.mil/doctrine/new_pubs/jp3_24.pdf




الفضاء الإلكتروني والطائرات بلا طيار

من أهم الاعتبارات في دعم عمليات مكافحة التمرد هو توفير الأمن في الفضاء الإلكتروني (الإنترنت) من أجل العمل على عزل «المتمردين» (المقاومين) داخل المناطق المتضررة وفصلهم عن الدعم الخارجي الذي يمكن توفيره من خلال الفضاء الإلكتروني. وهنا يُعَدّ التخطيط الجيد لعملية التحكم في الفضاء الإلكتروني عنصراً مهماً لدى القوات الأميركية المشتركة لإحكام السيطرة أولاً، والاحتفاظ بحرية المناورة ثانياً. يمكننا إطلاق مسمى الحروب الشبكية على نوع كهذا من الدعم والعمليات، الحرب الشبكية: فقد أصبحت كلمة السر في هذه المرحلة مكونة من شقين: المعلومة والسرعة؛ فمن يملك المعلومة هو الأكثر قوة والأكثر دقة، ومن يباغت بسرعة يكسب الحرب، وهذا ما نفّذ في حرب العراق حين احتلته وحدات صغيرة مزودة بالمعلومات ومتحلية بالسرعة.
إضافة إلى التحكم بالفضاء الإلكتروني والحرب الشبكية، فإن القدرات الجوية هي من المزايا المهمة والكبيرة في مواجهة المتمردين، ولا سيما من طريق حرمان المتمردين الوصول إلى البيئة التنفيذية الخاصة بهم، وبالتالي عزلهم والقضاء عليهم، ويُنَفَّذ معظم هذه العمليات في العادة من خلال اعتماد حروب الطائرات بلا طيار، كما حصل في اليمن وباكستان، وذلك لأن الطائرات بلا طيّار تمتلك قدرات هجومية بالإضافة إلى مهماتها التقليدية في الاستطلاع والمراقبة. ويمكن في هذا السياق إدراج آخر التحديثات التي أجراها الجيش الإسرائيلي، من خلال العمل على زيادة بقاء هذه الطائرات في الجو وتعزيز قدراتها اللوجستيّة.