منذ سنوات طويلة لم يشهد مطار طهران زحمة رجال أعمال كتلك التي سجّلها خلال الشهرين الماضيين. إذ بنتيجة بدء تطبيق الاتفاق المؤقت بين الغرب والجمهورية الإسلامية، تسارعت حركة الطامحين بصفقات مع هذا الاقتصاد المتعطّش إلى كلّ شيء تقريباً نتيجة العقوبات؛ من قطاع الغيار التقليدية والتكنولوجية، وصولاً إلى العملات الصعبة.


أزعجت هذه الحركة أجنحة كثيرة من السلطات الأميركية، لدرجة أنّه بالتزامن مع زيارة الرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند، للبيت الأبيض، علت أصوات تنتقد رحلات رجال الأعمال الفرنسيين إلى شركائهم الإيرانيين.
صدر التحفّظ الأكبر من الدوائر المعنية بفرض العقوبات؛ إذ شدد نائب وزير الخزانة لشؤون الإرهاب والاستخبارات المالية الأميركية، دايفيد كوهين، على أنّ الحركة الحالية لن تتحوّل إلى اتفاقات فعلية إلا بعد انقضاء فترة الاتفاق المؤقت وتحوّله إلى صفقة طويلة الأجل. قال: «يُمكن ملاحظة أن بعثات كثيرة (من رجال الأعمال) تتجه إلى طهران، غير أنّها تجري محادثات حول ما يُمكن أن يحصل في المستقبل وليس ما سيحصل اليوم»، مشيراً إلى أنه ممنوع على المصارف الأجنبية الإقدام على أي خطوة قبل الاتفاق النهائي.
واضحٌ مستوى الامتعاض. منذ 20 كانون الثاني، تمّ تليين القيود المفروضة على طهران في تجارة النفط وقطع السيارات، كذلك جرى التوافق على تحرير 4.2 مليارات دولار كانت قد جُمّدت في إطار المعاقبة على طموحاتها النووية منذ منتصف العقد الماضي.
ليس كوهين الرجل الوحيد الغاضب في هذه اللوحة. ففي المنطقة أشخاص كثر من تل أبيب إلى الرياض لا يُعجبهم ما حدث. هل سيتطور الاتفاق المؤقت إلى صفقة كبيرة؟ على الأرجح نعم. نظراً إلى ما كسبته إدارة الرئيس حسن روحاني، حتّى الآن واستناداً إلى نبرة الرئيس باراك أوباما، لدى التطرّق إلى المعضلة الإيرانية خلال الخطاب الأخيرة حول حال الاتحاد.
لقد توصّلت واشنطن إلى اتفاق تاريخي مع بلد يصفها بأنها عاصمة الشيطان، معتمدةً على العقوبات التي فرضتها عليه «خوفاً على إسرائيل وعلى الأمن العالمي»؛ ففي معرض تحليل علاقة الغرب، أو لنقل واشنطن تحديداً، بإيران وبالمنطقة عموماً يُمكن القول إنّ اللاعب الأبرز هو إسرائيل.
على الرغم من أن إدارة باراك أوباما أغضبت حلفاءها التقليديين في المنطقة، إلا أنّها تحافظ على توازن رعب اقتصادي/ عسكري تفرضه على الشرق الأوسط عبر دعم سخي جداً تُقدّمه سنوياً لتل أبيب، ويعوّل عليه وزير الخارجية الأميركي جون كيري، في كلّ خطوة يخطوها باتجاه ورقة تفاهم واضحة بين الجانب الإسرائيلي والسلطة الفلسطينية.
أخيراً، تعاظم الحديث عن الدعم الأميركي المتدفق إلى إسرائيل. خلال عام 2013 وحده، بلغت الهبات العسكرية الأميركية المقدّمة إلى «الحليف الإسرائيلي» 3.1 مليارات دولار، تُضاف إليها أموال أخرى تُضخ في قنوات الأبحاث العسكرية ودورات التدريب. يُلاحظ الصحافيان تشايس مادار وتوم دسباتش، في تحليل نُشِر أخيراً، أنه «خلال السنوات الستين الماضية، امتصّت إسرائيل مساعدات (أميركية) من هذا النوع بقيمة قاربت ربع تريليون دولار»، يصف تلك المساعدات بأنها تُظهر أنّ «عملية السلام مزوّرة» وأنّ «الحرب حقيقية».
كثيرون يُحدّدون إيقاعات تلك الحرب، من بينهم إيران. يكفي التهديد بمحو إسرائيل عن الكرة الأرضية عبر استخدام قنبلة نووية معينة يجري تطويرها!
كيف تتعاطى واشنطن مع إيران؟ هي اليوم تصافحها وتعد العالم باتفاق معها، لكنّها كانت حتّى الأمس القريب تفرض على كلّ دولة تريد استمرار علاقاتها المالية (وحتّى الدبلوماسية) مع نيويورك أن تقطع علاقاتها مع الفرس؛ الجميع خضع، حتّى لبنان الذي يُعدّ جزءٌ من شعبه أحد أبرز الحلفاء الإقليميين لطهران.
تقول بعثة صندوق النقد الدولي بعد زيارة أخيراً لطهران، إن الاقتصاد الإيراني تعرّض لـ«صدمات كبيرة خلال السنوات الماضية بالتوازي مع إدارة ضعيفة كان لهما تأثير كبير على الاستقرار والنمو».
وتجزم البعثة بأن «إيران عند مفترق طرق اليوم»؛ ففي ظلّ المخاطر التي تحيق بالاقتصاد – وتحديداً ضعف معدلات النمو وارتفاع معدلات التضخم – «هناك حاجة لإطلاق إصلاحات متقدّمة لتعزيز الاستقرار، الاستثمار والإنتاجية»، وبالتالي المضي قدماً في «تطبيق برنامج عاجل ومتين للإصلاحات... وخصوصاً إذا استمرّت البيئة الخارجية بالتحسّن».
«لقد تحسّنت الآفاق بعد توقيع الاتفاق المؤقت مع مجموعة 5+1 (أي دول مجلس الأمن إضافة إلى ألمانيا)، غير أنها تبقى غير محسومة».
التحسّن بدأ يُلحظ حيث إن «التراجع الاقتصادي إلى انحسار». اليوم، توقعات النمو لعام 2014 هي إيجابية بمعدل يقارب 1.5%.
من أين نتجت تلك المصاعب الهائلة التي يمرّ بها الاقتصاد حالياً ويصبو إلى تخطيها؟ لا يحتاج التحليل فذلكة. «لقد ضَعف الاقتصاد نتيجة توليفة من الصدمات المرتبطة بتطبيق المرحلة الأولى من إصلاح نظام الإعانة (الذي للمناسبة، أثنى عليه الصندوق في السابق)، وبالبرامج الاجتماعية الطموحة، ولكن المموّلة على نحو خاطئ، وبتدهور لافت في العلاقة مع الخارج نتج من تكثيف العقوبات التجارية والمالية».
الأخطر بين تلك العوامل هو العقوبات التي حرمت إيرانَ العملاتِ الصعبة، وتحديداً تحصيل بدل نفطها السخي (باستثناء إيرادات ناتجة من الالتفاف على إجراءات الغرب عبر تبادل بالذهب).
على أي حال، المسألة التي تتجاهلها بعثة الصندوق في تقريرها الأوّلي هي أنّ معدّل الدين العام إلى الناتج في إيران بالكاد يتخطّى 10%. وهو معطى، وإن كان متوقعاً في بلد نفطي، إلا أنّه في كثير من الأحيان لا يكون نتيجة حتميّة للثروة الطبيعية السخية.
هذه الحرية الائتمانية تؤمّن لإيران هامش مناورة إضافي في علاقتها مع الخارج: هي ليست مرهونة لأسواق المال ومعدلات الفوائد؛ دعونا لا ننسى أن نظرية المؤامرة (التي للمناسبة ثبتت معظم فصولها) تنص على أنّ سيطرة البلدان الأعمدة للرأسمالية على مختلف الأقطار – من البلدان «المارقة» إلى تلك المترنّحة بين مصالح مختلفة مثل لبنان – تكون عبر إغراقها بالديون العامّة، خارجية كانت أو ذات ارتباطات خارجية.
فلنقلب الآن المشهد كلياً، وننتقل ألفي كيلومتر إلى الجنوب الغربي، وتحديداً إلى الأراضي الفلسطينية المحتلّة؛ هناك يتضح أن الدين يُعدّ أحد أبرز مشاكل الدولة العبرية.
تعرب لجنة أخرى من صندوق النقد زارت تل أبيب بالتزامن مع الزيارة الإيرانية، عن الإعجاب بأداء الاقتصاد الإسرائيلي: «النمو قوي، التضخّم يبقى مكبوحاً بين واحد وثلاثة في المئة، القطاع المالي في صحّة جيدة، وكذلك هي العلاقة مع الخارج».
لكن في المقابل يواجه الاقتصاد «تحديات مهمّة». أولاً، لا يزال الدين العام عند مستويات مرتفعة، قريب من 70% من الناتج، رغم التراجع الملحوظ الذي سُجّل خلال السنوات الماضية. ثانياً، تشكّل معدلات التضخم المرتفعة في القطاع العقاري «مخاطر على الاستقرار المالي» في حال استمرارها. ثالثاً، لدى المقارنة بين الشرائح الاجتماعية الثلاثة في المجتمع الإسرائيلي، اليهود واليهود المتزمّتين (الحريديم) إضافةً إلى عرب إسرائيل، يتضح وجود «هوّة كبيرة في مجالي التوظيف والإنتاجية، إذا استمرّت قد تُخفض مقومات الاقتصاد على المدى البعيد». يدعو الصندوق السلطات الإسرائيلية إلى صياغة سياسات احترازية ويجدد دعوته لتشكيل لجنة لحفظ الاستقرار المالي.
يتضح من التوصيف أن إسرائيل بكلّ عظمتها المدعومة بمساعدات أميركية هائلة تبقى كياناً اقتصادياً معرّضاً للتدهور، وخصوصاً في كنف عنصرية تنخر قلبه الاقتصادي.
هذا هو تحديداً ما قد يُمكّن واشنطن من المناورة مع إسرائيل خلال المرحلة المقبلة. العم سام لديه من القوّة الاقتصادية ما يكفي ليُسلّط جميع الأضواء على السياسات التي يرغب بفرضها. في مقاربة بسيطة، يتضح أن حجم الاقتصادين الإسرائيلي والإيراني مجتمعين لا يتخطى ناتج ولايتين أميركيتين من الحجم المتوسط هما لويزيانا وماساتشوستس.
صحيح أن لوبي إسرائيل واسع النفوذ في واشنطن ويُمكنه التلاعب بأجندة «محادثات السلام» التي يحضرها بعناية جون كيري، ولكن ماذا يحدث إذا أرادت واشنطن فعلياً فرض التغيير؟ هل يُمكنها ذلك؟ هل تلعب واشنطن ورقة الاقتصاد والمساعدات مع إسرائيل خلال العامين الباقيين من ولاية أوباما؟
على وقع المصافحات العجيبة بين الغرب وإيران، لا شيء مستغرب. إنها علاقة ثلاثية غريبة فعلاً تلك التي تجمع البلدان الثلاثة في ملعب الشرق الأوسط.




إصلاحات على طريقة الصندوق؟

انطلاقاً من الملاحظات التقنية تُقدّم لجنة صندوق النقد الدولي ثلاث توصيات للسلطات الإيرانية لكي تنهض البلاد من حالة الكساد المرفق بمعدل تضخم هائل. أوّلاً، تبنّي سياسة نقدية متشدّدة. «وهنا يُمكن القول إنّ شطب المصرف المركزي لبرنامج التحفيز السكني – مهر – من ميزانيته يصب في الاتجاه الصحيح». ثانياً، تعزيز المالية العامّة وضرورة احتواء العجز فيها؛ وهنا «ترحّب البعثة برؤية السلطة للبدء بتنويع الإيرادات بعيداً عن النفط».
ثالثاً، تقديم إصلاحات جديدة على صعيد برامج المساعدة الاجتماعية تحديداً التي ترهق المالية العامة. أما على صعيد الأسعار التي مرّت بمراحل جنونية مع تدهور العملة بسبب العقوبات وجفاف العملات الصعبة، فيتوقع الصندوق اليوم «أن يُسجل التضخّم بنهاية العام المالي الجاري معدلاً بين 20% و25%، بعدما كان المعدل 45% في حزيران 2013».