هل بدأ الغزو الروسي لأوكرانيا؟ المؤكد أن موسكو لن تتورط إلى هذا الحد في أراضي جارتها. لكن المؤكد أيضاً انها لن تصمت إزاء الانقلاب الذي نُفِّذ على عجل في حديقتها الخلفية. وبين الخيارين، لجأت إلى «عمل عسكري ما» في شبه جزيرة القرم، حيث لها حقوق تضمنها اتفاقيات ثنائية مع اوكرانيا، ومصالح استراتيجية مرتبطة بموقع شبه الجزيرة على شواطئ البحر الأسود.


منذ اللحظة الاولى، كانت ازمة اوكرانيا ذات أبعاد دولية. فكييف هي البوابة الغربية للكرملين. والمعارضة الاوكرانية السابقة استعجلت التدويل: طالبت الغرب بفرض عقوبات على حكام اوكرانيا. وبعد انجازها الانقلاب «الأبيض» وتسلمها الحكم، دعا معارضو روسيا في اوكرانيا (بقانون أصدروه في البرلمان) الولايات المتحدة وبريطانيا إلى حماية سيادة بلادهم، وصندوق النقد الدولي إلى إمدادهم بالقروض. سريعاً، استجاب الغرب. صارت اوكرانيا الشغل الشاغل للرئيس الاميركي باراك اوباما، ولرئيس الوزراء البريطاني دايفيد كاميرون. حذّر الاول، في مؤتمر صحافي، موسكو من «ثمن» لأي تدخل عسكري لها في اوكرانيا. مسؤول في إدارته ألمح إلى إمكان مقاطعة اوباما قمة الثماني في سوتشي في حزيران المقبل إذا تدخلت روسيا عسكرياً في جارتها أوكرانيا. الغرب لا يتحدّث حتى الآن سوى عن دعم لفظي لحكام كييف الجدد، فيما صندوق النقد الدولي يدعو السلطات الاوكرانية إلى عدم المبالغة في الأرقام التي تطلبها.
في موسكو، بقي الرئيس فلاديمير بوتين ملتزماً الصمت، مكتفياً ببيان عن الكرملين يدعو فيه إلى حل سريع للازمة الاوكرانية، وإلى منع التصعيد في الدولة الجارة لبلاده. وفيما كان بوتين يدعو للتهدئة، كانت قواته المسلحة تنتشر في عدد من المواقع الاستراتيجية في شبه جزيرة القرم. مسؤولون روس لم ينفوا انتقال قوات روسية إلى القرم، لكهم اكدوا أن تحرك هذه القوات يخضع للاتفاقات الثنائية بين موسكو وكييف. ومع تقدم الوقت، كانت الأنباء تتزايد عن انتشار جنود «مجهولي» الانتماء، في محيط مطارين وقواعد عسكرية ومؤسسات حكومية في القرم. قيل إنهم جنود روس، وقيل إنهم من رجال الشرطة الخاصة الموالين لروسيا. في المحصلة، دخلت الازمة الاوكرانية طوراً جديداً، يظلله الطابع العسكري من الجهة الروسية. التحركات العسكرية الروسية تتركز على شبه جزيرة القرم، التي كانت جزءا من روسيا قبل العام 1954. باختصار، تريد موسكو تحسين شروطها في بوابتها الغربية، بعد صمتها عن الاحداث التي جرت في كييف. تحركات قواتها المسلحة أمس حملت رسالة واضحة: أمن البحر الأسود خط أحمر.
الاوكرانيون كانوا قد استفاقوا أمس على أخبار قدمتها مصادر أمنية في مدينة سيمفروبول، تفيد بسيطرة مسلحين يرتدون الزي العسكري على مطارين في عاصمة شبه جزيرة القرم، ومطار آخر في مدينة سيفاستوبول، وذلك على خلفية شائعات عن زيارة مرتقبة كان سيجريها رئيس الوزراء الأوكراني أرسيني ياتسينيوك لتلك الجمهورية.
وأضافت المعلومات أن ما يقرب من 100 مسلح شاركوا في السيطرة على مطار سيمفروبول لعرقلة وصول ياتسينيوك، وأن حركة الطيران في المطار تسير بشكل روتيني، ما عدا صالة الشخصيات المهمة، التي أغلقها المسلحون. وأوضحت المعلومات أن المسلحين الذين احتلوا مطار سيمفروبول وبرلمان ورئاسة وزراء جمهورية القرم، هم أعضاء فريق «بركوت»، التابع لقوات الأمن الأوكرانية زمن الرئيس المخلوع فيكتور يانوكوفيتش، الذي ألغته الحكومة الأوكرانية الجديدة.
وحذر الرئيس الأميركي باراك أوباما روسيا من التدخل عسكرياً في أوكرانيا، مؤكداً أن اي تدخل من هذا القبيل سيكون له «ثمن». وجدد في تصريح ادلى به في البيت الابيض التأكيد على تمسك بلاده بسيادة أوكرانيا ووحدة اراضيها، معرباً عن «قلقه العميق» ازاء التقارير الواردة عن تحركات عسكرية روسية في شبه جزيرة القرم، من دون أن يؤكد صحة هذه التقارير.
وفي أول تعليق له، دعا الرئيس الأوكراني المؤقت اولكسندر تورتشينوف الرئيس الروسي إلى «وقف اعتدائه المكشوف على الفور وسحب جنوده من القرم». وتابع في مقابلة متلفزة «لقد ارسلت روسيا قوات إلى القرم ولم تستول فحسب على البرلمان وحكومة القرم، بل تسعى إلى السيطرة على وسائل الاتصالات. لا بد لها من أن توقف فوراً هذا الاستفزاز وأن تستدعي العسكريين من القرم والعمل حصراً في اطار الاتفاقات الموقعة» في إشارة إلى الاتفاق الموقع عام 1997 بين كييف وموسكو والذي يشرح بالتفصيل القواعد التي على اساسها يتمركز اسطول البحر الاسود الروسي في مرفأ سيباستوبول.
وكان ممثل تورتشينوف في القرم سيرغي كونيتسين قال لقناة «اي ار تي» التلفزيونية «نشهد اليوم غزواً روسيا مسلحاً لقد أغلق المجال الجوي (في القرم) بسبب هبوط عدد كبير من الطائرات والمروحيات الروسية». وأضاف إن نحو الفي جندي روسي نقلوا جواً إلى مطار غفارديوسكوي قرب سيمفيروبول.
من جهته، نفى قيادي في أسطول البحر الأسود، ما شاع عن مغادرة العسكريين الروس لأماكن مرابطتهم في القرم. وقال في حديث لوكالة «نوفوستي»: «العسكريون من أسطول البحر الأسود المرابط في القرم لم يغادروا أماكنهم في سيفاستوبول ولا في فيودوسيا». وأشار إلى أن كافة تنقلات العسكريين والمعدات العسكرية تجري دائماً حسب نظام معتمد ومتفق عليه. ونقلت «إنترفاكس» عن متحدث باسم أسطول البحر الأسود الروسي نفيه مشاركة عسكريين روس في محاصرة مطار بيلبيك الواقع قرب سيفاستوبول.
بدورها، أعلنت السفيرة الأميركية في الامم المتحدة سامنتا باور أن بلادها طلبت أن يتم فوراً ارسال «بعثة دولية للتوسط» في قضية شبه جزيرة القرم، داعية روسيا إلى سحب قواتها من هذه الجمهورية. ورد السفير الروسي فيتالي تشوركين على الفور بأن موسكو «لها مبدأ يتمثل في رفض الوساطات المفروضة».
كذلك قال الكرملين أمس، إن بوتين رأى في اتصالات هاتفية مع رئيس الوزراء البريطاني دايفيد كاميرون والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل ورئيس المجلس الأوروبي هيرمان فان رومبي، أنه ينبغي عدم تصعيد العنف في أوكرانيا.
بدوره، أكد وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف خلال مكالمة هاتفية تلقاها من نظيره الأميركي جون كيري على ضرورة عودة الوضع في أوكرانيا إلى المجال القانوني وتنفيذ اتفاقية 21 شباط بين يانوكوفيتش والمعارضة بما في ذلك وقف اعمال الراديكاليين المتطرفين قبل كل شيء، وتحريك الوفاق الوطني على اساس المراعاة الفعلية لمصالح جميع القوى السياسية وكافة مناطق البلاد».
من جهته، أعلن المتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض الأميركي جاي كارني أن الولايات المتحدة على إستعداد لتقديم المساعدة لأوكرانيا، ولكنها لم تحدد إلى الآن طريقة تقديم تلك المساعدة. وأضاف في مؤتمر صحفي: «ندرس كافة الخيارات، بضمنها منح القروض، لكن لحد الآن لم نقرر كيفية تقديم الولايات المتحدة المساعدات الإضافية لأوكرانيا» موضحاً أن هذا المساعدات من الممكن أن تقدم على شكل قروض من صندوق النقد الدولي.
في هذا الوقت، أعلن رئيس حكومة جمهورية القرم، سيرغي أكسيونوف أمس، أنه ورئيس برلمان القرم يسيطران سيطرة كاملة على الوضع في شبه الجزيرة، وليس هناك ما يهدد حياة السكان وأمنهم. في الوقت نفسه، قرر برلمان القرم تنظيم استفتاء عام بشأن توسيع صلاحيات السلطة المحلية في 25 أيار المقبل، وهو اليوم الذي حدده البرلمان الأوكراني، موعداً لانتخاب رئيس جديد للجمهورية.
في غضون ذلك، أكد الرئيس الأوكراني المخلوع فيكتور يانوكوفيتش في أول ظهور علني منذ فراره إلى روسيا، للصحافيين، أنه اضطر إلى مغادرة البلاد «بسبب تهديد مباشر لحياتي وحياة المقربين مني»، مؤكداً أنه سيعود إلى أوكرانيا ما إن يتلقى ضمانات بشأن أمنه. واستغرب «صمت» الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، واتهم الغربيين بالمسؤولية عن الاضطرابات وسقوط ضحايا في كييف.
من جهتها أعلنت السلطات الجديدة في كييف أن باشرت اتصالاتها إلى استرداد يانوكوفيتش بعد أن ظهر أنه في روسيا في حين أكدت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية جين بساكي أمس أن يانوكوفيتش «فقد كل شرعية لقيادة أوكرانيا منذ فراره من البلاد».
(الأخبار، أ ف ب، الأناضول، رويترز)




منح الجنسية الروسية «لمحتلي» المطارين

أعلنت وزارة الخارجية الروسية أنها أصدرت تعليماتها لقنصليتها العامة في سيمفروبول الأوكرانية، ببدء منح الجنسية الروسية لأفراد قوات الشرطة الخاصة «بيركوت».
وقالت الخارجية الروسية أمس، إن «القنصلية العامة لروسيا الاتحادية في سيمفيروبل، كُلفت اتخاذ كافة الإجراءات الضرورية لبدء منح الجوازات الروسية (الجنسية) لمقاتلي مفرزة بيركوت».
من جهة أخرى وقّع الرئيس المعيّن من قبل البرلمان الأوكراني ألكسندر تورتشينوف، مرسوماً بإقالة الأميرال يوري إيليين من منصب رئيس هيئة الأركان والقائد العام للقوات المسلحة الأوكرانية. وكان إيليين قد أجرى أمس محادثات مع عمدة عاصمة القرم مدينة سيفاستوبول أندري تشالي، أعربا في ختامها عن اهتمامهما بضرورة منع انزلاق الأوضاع إلى العنف.
(الأخبار)