ستحدد شبه جزيرة القرم مستقبل الأوضاع في أوكرانيا. الاستفتاء الذي أعلنه برلمان الجزيرة في 25 أيار للانفصال عن كييف سيرسم مستقبل البلد. نتيجة الاستفتاء تبدو محسومة من اليوم؛ فغالبية الـ60% من سكان الجزيرة من أصل روسي حسموا أمرهم بالانضمام إلى موسكو. فمنذ «انقلاب» المعارضة على الرئيس فيكتور يانوكوفيتش، أظهر الموالون للروس في الجزيرة رفضهم للخطوات التي قامت بها المعارضة وقاموا بأعمال أظهروا من خلالها مدى ارتباطهم بروسيا. في المقابل، قام الحكام الجدد في كييف بخطوات استفزازية من حلّ الشرطة الخاصة (بيركوت) إلى تدمير الرموز التي مست مباشرةً بالقومية الروسية الموجودة لدى سكان الجزيرة.


كذلك قرر برلمان الجزيرة تكليف رئيس حزب «الوحدة الروسية»، سيرغي أكسيونوف في منصب رئيس وزراء الجمهورية. في هذه الأثناء، أعلنت روسيا رفضها للقرارات التي اعتبرتها تمس بالموالين لها، فيما بدأت بمناورات عسكرية تستمر حتى يوم الاثنين المقبل. خطوة اعتبرها الغرب والأميركيون والحكم الجديد في كييف تمهيداً لتدخل روسيا لحماية مصالحها في أوكرانيا.
وأكدت موسكو أن المناورات كانت مقررة قبل التطورات الأوكرانية، مشددة على موقفها الرافض للمس بوحدة أوكرانيا والمحافظة على وحدة أراضيها مع إشارات لا لبس فيها إلى استعدادها لحماية مصالحها بكل الطرق، ومنها العسكرية.شبه جزيرة القرم ضمت إلى أوكرانيا في عام 1954، وهي قدمت هدية من الزعيم السوفياتي الأسبق نيكيتا خروشوف إلى كييف، وعند انهيار الاتحاد السوفياتي في 1991، نالت أوكرانيا استقلالها ونالت شبه جزيرة القرم وضعاً جديداً في حكم ذاتي. وفي 1997، نجحت روسيا في الحصول على حق الحفاظ على قاعدة أسطول البحر الأسود، في «سيفاستوبل» حتى عام 2017، وهو الاتفاق الذي مدد مدته يانوكوفيتش في 2012 حتى 2042. في المقابل، قدم بوتين أسعاراً تفضيلية للغاز الذي يباع إلى أوكرانيا. تمثل شبه الجزيرة أهمية كبيرة لأمن روسيا الاستراتيجي؛ ففيها ميناء «سيفاستوبول» الذي يضم أكبر أسطول بحري روسي؛ وهو رمز للقوى البحرية الروسية العالمية؛ وتشكل أيضاً قاعدة للانطلاق إلى المياه الدافئة في البحر المتوسط، التي لطالما شكلت هاجساً لحكام روسيا على مر التاريخ، كذلك فإنها تؤمِّن التواصل مع القاعدة الروسية في ميناء طرطوس السوري عبر المضائق.
ويفيد تقرير للمعهد الألماني للعلاقات الدولية بأن قاعدة «سيفاستوبول» البحرية تضم 300 سفينة روسية من مختلف الأحجام، ويعمل فيها أكثر من 26 ألف جندي روسي من القوات البحرية والجوية. من هنا، فإن روسيا غير مستعدة أبداً للتخلي عن مصالحها في شبه الجزيرة. وبناءً عليه، بادرت موسكو إلى تسريع العمل في مجلس الدوما لإعطاء جوارات سفر روسية للموالين لها. وبحسب المصادر المتابعة للشؤون الروسية، «تنظر موسكو إلى الإجراء على أنه مدخل قانوني يسمح لها بالدفاع عن مواطنيها في حال تعرضهم للخطر». وأصدرت موسكو سريعاً تعليمات لقنصليتها في القرم بالاستعداد لمنح الجنسية الروسية لأفراد قوة الشرطة الخاصة (بيركوت) التي حلتها الحكومة المركزية في كييف. وأوضحت المصادر أن قرار البرلمان الإقليمي بالاستفتاء على الانفصال يأتي لمصلحة موسكو. وهي تشير إلى أن موسكو تتعاطى مع الأمور على أنها «مع حق تقرير الشعوب لمصيرها» من قناعتها بأن نتيجة الاستفتاء لا بد أن تكون لمصلحتها. وبالتالي، فهي غير مضطرة إلى التدخل العسكري. وتشدد المصادر على أن موسكو إذا لعبت على ورقة تقسيم أوكرانيا، تكون بذلك قد ربحت ووجهت صفعة مدوية للغرب. وتضيف: «مجرد انفصال القرم، فإن المناطق الشرقية الأوكرانية (المعروفة باسم روسيا الصغيرة) سترفض أن تعيش في كنف الجزء الغربي «النازي» برأي الشرقيين، وستطالب بالانضمام إلى موسكو. وبذلك يكون الجزء الشرقي الغني إلى جانب موسكو هو ما لا قدرة للغرب على تحمله. من هنا تفسر المصادر حدة المواقف الغربية الداعية إلى التهدئة وعدم تقسيم أوكرانيا والمحافظة على وحدة أراضيها. وتلفت المصادر إلى أن كل ما يحصل اليوم في أوكرانيا يأتي في إطار الفعل وردّ الفعل. وتضيف أن على روسيا والاتحاد الأوروبي وأميركا الجلوس للاتفاق على ما هو مستقبل أوكرانيا. بالنسبة إلى المصادر، فإن «الحل الأمثل لأوكرانيا سيكون بالفدرالية التي تمثل مخرجاً جيداً للجميع؛ لأنه حتى لو جرت الانتخابات، فإن الطرف الذي سينتصر فيها، وهو الطرف المقرب من موسكو؛ فهو أقوى مالياً ولوجستياً، سيواجه بتظاهرات من الطرف الخاسر، ما يبقي الوضع على ما هو عليه». يلخص المثل الروسي القائل: «من يدفع المال يحجز الأغنية» مشهد أوكرانيا. وكما يبدو من خلال الوقائع، فإن روسيا هي وحدها القادرة على الانتصار.