من خاركوف، العاصمة الأولى للاتحاد السوفياتي، علت الصرخات المناهضة لما يحصل في أنحاء البلاد، وتحديداً عاصمتها كييف. مواطنون ولاؤهم الثقافي والسياسي ثابت في روسيا احتشدوا حول تمثال فلاديمير لينين لمناهضة «الفاشية المدعومة من حلف شمالي الأطلسي».


اختصر المشهد تحليلات كثيرة عن الأزمة في أوكرانيا. أزمة غير محسومة حتّى الآن: تتزامن العملية السياسية النشيطة بعد إسقاط الرئيس فيكتور يانوكوفيتش مع إشارات روسيّة واضحة بأنّ سقوط الحكم الحليف ليس نهاية المطاف. أشرس الإشارات هي المناورات العسكرية التي ينظمها الجيش الروسي عند الحدود، إضافة إلى مناورات أخرى تلوح بانفصال جغرافي وثقافي.
ولكن العلاقات الدولية والتعقيدات الإقليمية التي تنتج منها برهنت دوماً أن التأزم السياسي عادة ما يُحسم في القنوات الخلفية التي يسيطر عليها اقتصاديون يحسبون بدقة كم يساوي كلّ غرام من المساعدات الدولية، ومستوى العائد على كل سند من القروض الخارجية، وما هي الفرص الاستثمارية التي ستتاح في المرحلة الجديدة التي نشأت بعد ثورة شباط. في هذا الوضع، هناك مكاسب مباشرة يُمكن أن يحققها الطامعون خلال المرحلة المقبلة. ومن هي المؤسسة المهيأة أكثر من صندوق النقد الدولي لكي تقطف ثمار قروض خارجية «ضرورية» في هذه المرحلة!
لا شكّ في أن أوكرانيا تمرّ حالياً في مرحلة حرجة على الصعيدين المالي والنقدي. لقد تراجع احتياطيها من العملات الأجنبية إلى 12 مليار دولار فقط، أي ما يعادل 35% من احتياطي لبنان، على الرغم من أنّ الاقتصاد الأوكراني يعادل أربعة أضعاف نظيره اللبناني. ولكن في المقابل، تبقى أوكرانيا محمية نسبياً من رهن القروض الدولية، إذ لا يزيد معدل دينها العام إلى الناتج على 43% مقارنة بنسبة 143% في المئة في لبنان، كذلك فإنّ عجز المالية العامّة بالكاد يصل إلى 5% من الناتج مقارنة بنسبة يمكن كثيراً أن تصل إلى 17% في لبنان هذا العام.
هذا تحديداً ما يصوّب عليه المجتمع الدولي: الحجّة حالياً في أوساط النخب الليبرالية هي أنّه في ظلّ تجميد الخط الائتماني بقيمة 15 مليار دولار الذي كانت وعدت به موسكو مقابل التخلي عن تعميق الارتباط الاقتصادي بأوروبا، لم يعد متاحاً تجنّب قرض من صندوق النقد الدولي ومن بروكسل إذا كان ساسة كييف يريدون تجنّب جفاف السيولة في البلاد. وقد طلبت السلطات هذا القرض وأبدى الصندوق استعداده لتلبيته. يشدد الخبراء الذين يدرسون معادلات «نجاة أوكرانيا» من فخّ التحوّل ــ الذي كانت قد وقعت فيه روسيا شرّ وقعة في التسعينيات ــ على أن أي دعم من المجتمع الدولي يجب أن يرتبط بإصلاحات هيكلية وبتعزيز الشفافية في الإدارة العامّة وفي علاقة الدولة مع القطاع الخاص وكيفية تطهير العلاقة مع رجال الأعمال النافذين. لا يختلف اثنان على أهمية مكافحة الفساد في بلد مثل أوكرانيا. التقديرات المتاحة، مثل تلك التي نشرها أخيراً معهد «بيترسون» في واشنطن، تفيد بأنّ الرئيس المخلوع وعائلته شفطوا ما يقارب عشرة مليارات دولار سنوياً من الأموال العامّة منذ توليه الرئاسة عام 2010. ولكن في الوقت نفسه لا يتواجه عاقلان حول خطورة تعابير مثل «الإصلاحات الهيكلية». لقد نخر هذا المفهوم آذان وجيوب شعوب كثيرة من لبنان وصولاً إلى أميركا اللاتينية على طريق التحوّلات والرفاهية الموعودة؛ على ذلك الطريق تمّت مراكمة مديونيات هائلة، لا تزال أوكرانيا، حتى الآن في الحد الأدنى، في مأمن منها. الجواب الأمثل على جميع تلك التساؤلات لا يُمكن أن يكون إلا في عالم مثالي. فالمصالح الاقتصادية المدفوعة سياسياً ستبقى موجودة. انظروا إلى حالة تركيا حالياً. لطالما اعتدّ المراقبون بتجربة حزب العدالة والتنمية منذ مطلع الألفية في نهضة الاقتصاد التركي الذي يُعدّ من بين العشرين الأكبر في العالم. إنما في قلبه يمكن بسهولة رصد الفساد المستشري عبر آليات قد يصعب تصورها في بعض الأحيان، وخصوصاً في ظل القوانين القمعية التي تقرّها الحكومة. ولكن ببساطة يُمكن الاستماع إلى المكالمات الهاتفية المسرّبة أخيراً بين أردوغان وابنه بلال حول العائدات المرتقبة من صفقات مع رجال أعمال محظوظين، لمعرفة حجم المصالح التي تتحكم في رقاب الأتراك.
الجواب صعب لا شكّ. بيد أن ما يُتاح حسمه في هذه الآونة هو أنّ إشراك روسيا في ترتيب اللوحة المالية والاقتصادية في أوكرانيا هو مسألة لا يُمكن تخطّيها. يُشدّد المراقبون على أنّ تماسك البلاد حالياً يتعلّق بحدود كبيرة بدور طبقة رجال الاعمال ــ طبقة الاوليغارشيين ــ وتحديداً بالتعاون بين من يملكون المنشآت الصناعية في شرق البلاد وأولئك في الغرب، وأيضاً مع النخب التي تحاول أن تسير وفقاً للموجة التي بثّها الشباب في الميدان.
وحتّى أبناء النيوليبرالية نفسها يتحدثون وفقاً لهذا المنطق. المسؤول السابق في البنك الأوروبي للتنمية وإعادة الإعمار، رجل الأعمال الشهير في مجال الغاز، رونالد فريمان، يُشدّد على أنّ أوكرانيا تحتاج حالياً إلى جلوس الطرفين على طاولة التفاوض. ويذهب إلى الجزم بأنّ «الروس أكثر خبرة في التعاطي مع البيئة (الاقتصادية والمالية) الأوكرانية مقارنة بالأوروبيين». ويجزم بأنه لا أحد يحتاج إلى حرب في وسط أوروبا حالياً. يروّج هؤلاء لرغبة في أن تكون المرحلة المقبلة «مرحلة سلام وازدهار»، وأن ما يجب أن يجمع روسيا والغرب على الميدان الأوكراني هو «روح سوتشي»، على حدّ تعبير فريمان، وأنّ على أوكرانيا اللحاق بزميلاتها السوفياتية السابقة مثل بولندا وسلوفاكيا.
اليوم يجري تداول مجموعة من الأرقام التي رغم أهميتها قد تكون فقط عبارة عن إحدى الاوراق على طاولة التفاوض المذكورة: انكشاف المصارف الروسية بقيمة 28 مليار دولار على أوكرانيا، وحاجة الأخيرة إلى تمويل بقيمة 35 مليار دولار خلال فترة العامين المقبلين.
عموماً، تُعيب العقلية الليبرالية الأوروبية الغربية على الإدارة الروسية أنّ أداءها المحلي والإقليمي ليس سوى «فشخرة» بأموال نفطية، فيما تنحدر البلاد تدريجاً صوب الهاوية، وأن سلطة فلاديمير بوتين والطبقة المحظية التي تنبت حولها سرعان ما سيصيبها هاون الديموقراطيّة، تماماً كما يحصل في سوريا وكما حصل أكثر من مرة في أوكرانيا عندما تنفد الروبلات والعملات الصعبة من خزنة الكرملين.
ولكن لا يزال الوقت طويلاً أمام انهيار لسعر برميل النفط دون مئة دولار، واللعبة الدولية الدائرة حالياً حول المصالح الاستراتيجية في قطاع الغاز لا تزال في بداياتها. هذا يعني أنّه إذا سلمنا جدلاً بالحجة السابقة، فستبقى روسيا تتمتع بنفوذ، يبدأ، في الحد الأدنى، من بحر آزوف ويتخطّى الشرق الأوسط. كل ذلك يؤكد مجدداً أنّه مهما تكن روسيا هشة، تحديداً في إدارة محيطها، فلا يُمكن أن تقول لها الخارجية الأميركية «Fu** You» كما قالت للاتحاد الأوروبي.