قبل دخول أوكرانيا في عنق الزجاجة، كانت إلى حد ما دولة اتحادية، نظراً إلى تعدد المرجعيات الدينية والعرقية فيها.

فقبل التحرك الواسع الذي شنته المعارضة على الإدارات الرسمية في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي، بدعم من ميليشيات مسلحة، كانت المعارضة تسيطر عملياً على الأجزاء الغربية من البلاد، فيما كانت الأجزاء الجنوبية والشرقية، الناطق أغلبيتها بالروسية، تحت سيطرة حزب الأقاليم.

إن قيام المعارضة بالسيطرة على الحكم خارج إطار العمل الديموقراطي، ولا سيما بعد الاتفاق الموقع بين الرئيس فيكتور يانوكوفيتش والمعارضة بحضور ثلاث دول أوروبية، فتح البلاد على الفوضى. مناطق مختلفة، وخصوصاً الغربية منها، كانت قد أصبحت في أيدي الميليشيات، ولا سيما ميليشيا ألكسندر موزيشكو، الذي هو أحد قادة المعارضة القومية المتطرفة، والخصم اللدود لروسيا، وخاصة أنه حارب إلى جانب الشيشانيين في غروزني ضد الجيش الروسي. ولم تكتف هذه الميليشيات بالسيطرة على أجزاء مختلفة من الغرب الأوكراني، بل هددت الحكومة الأوكرانية بشنّ حرب عليها بواسطة الدبابات والأسلحة الثقيلة.
تجاهل الغرب المسؤولية الملقاة على المعارضة في إشعال فتيل الأزمة والانقضاض على الاتفاق الموقع، وحمّلت المعارضة، ومن ورائها الغرب، يانوكوفيتش مسؤولية سقوط ضحايا. هو الغرب نفسه الذي قمع التظاهرات في باريس ولندن تحت عنوان النظام والقانون، يمنع لجمه في كييف ويضفي الشرعية على معارضة وضعت يدها على الحكم بواسطة السلاح والميليشيات. التطورات التي تسارعت في كييف، دفعت المناطق الشرقية والجنوبية لأوكرانيا إلى إظهار مخاوفها، وخاصة بعض النواب الذين رفضوا العودة إلى العاصمة خوفاً من الميليشيات.
وتعكس تقارير غربية مخاوف من احتمال إنشاء هؤلاء النواب برلماناً موازياً، ما يفتح البلاد على تقسيم فعلي.
وهذا إن حصل، فإنه يعيد الذاكرة إلى ما حصل في البوسنة، عندما أنشأ صرب البوسنة برلماناً موازياً خاصاً بهم بعد إنشاء البرلمان البوسني في سراييفو.
وتتداخل سياسة الاستقطاب العرقي والإثني مع الانتماء الديني أيضاً؛ ففي حين أن أغلبية الأوكرانيين يتبعون للكنيسة الأرثوذكسية الروسية في أوكرانيا (الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية)، يرتبط نصف هؤلاء الأرثوذكس بالبطريرك كيريل (بطريرك موسكو وسائر روسيا). ومن الملاحظ أن القوميين المتطرفين وأنصار المعارضة في الغالب تتبع بطريرك كييف، فيما أتباع حزب الأقاليم يتبعون عموماً موسكو كمركز روحي. وهنا تعود الصورة اليوغوسلافية إلى الذاكرة من جديد.
ويتعقد المشهد أكثر عند الحديث عن الأقليات الأوكرانية. فهناك الكاثوليك الذين يعتبرون تاريخياً وكلاء لبولندا إضافة إلى اليهود. ووفقاً لصحيفة «جيروزاليم بوست» والوكالة اليهودية، اتخذ يهود أوكرانيا قرار المشاركة في الاحتجاجات إلى جانب القوميين.
وهناك أيضاً المسلمون، وغالبيتهم من التتار الموجودين في شبه جزيرة القرم. وهؤلاء، وإن كانوا تاريخياً قد وقفوا إلى جانب العثمانيين ضد روسيا، إلا أن موقفهم الحالي، بالعموم، إلى جانب الحكومة الأوكرانية (السابقة). وربما كان هذا الموقف عائداً إلى محاولة التتار الحفاظ على بعض الحقوق فيما لو انفصل القرم، وخاصة أنهم يشكلون فقط نحو 12 بالمئة من عدد سكان شبه الجزيرة.
أما في اللغة، فإنه يصعب الإحصاء الدقيق للناطقين باللغة الروسية، نظراً إلى قربها مع اللغة الأوكرانية. ويحكى أنه في بعض الأجزاء من أوكرانيا، من الصعب جداً تحديد ما إذا كان السكان هناك يتحدثون لهجة من اللغة الأوكرانية أو الروسية، ما يجعل الخطوط الفاصلة بين الهوية واللغة الأوكرانية والروسية غير واضحة المعالم، ومثار التباس كبير.
ولا ينحصر الالتباس وعدم الوضوح هذا على اللغة فحسب، بل يتعداه إلى العرقية، حيث يصعب التمييز بين من هو أوكراني عرقياً ومن هو روسي. ويتعقد المشهد العرقي أكثر عندما نعلم أن هناك أقلية من العرقية الروسية تتحدث الأوكرانية لغةً أولى، فيما هناك من هم من عرقية أوكرانية يتحدثون الروسية لغةً أولى.
لقد روجت المعارضة عن عمد، وبخلفيات قومية متطرفة، أنهم ينتمون إلى الاتحاد الأوروبي حيث التفوق الثقافي، بينما صوروا الثقافة السلاف ــ شرقية على أنها ثقافة دونية. بعض هذه المعارضة وصلت إلى حد التمجيد بأدولف هتلر والرايخ الثالث لغزوه الاتحاد السوفياتي. الدعم الغربي للمعارضة الأوكرانية، وإن كان يبدو، بحسب الظاهر، هو لجلب أوكرانيا إلى فلكها، إلا أنه يهدف في نهاية المطاف إلى التخريب على الاتحاد الروسي ومشروع التكامل الأوراسي. وهنا تظهر الأبعاد الجيو - استراتيجية للصراع على أوكرانيا؛ فالطريق إلى موسكو يمر عبر كييف. والحملة الغربية على أوكرانيا هي في الواقع حملة جيو ــ استراتيجية ضد روسيا.
من هنا، لن يتصرف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أو يتعامل مع الأزمة الأوكرانية كما تعامل مع بعض الأزمات الأخرى. وإذا كانت الولايات المتحدة قد أوجدت لنفسها المبررات لتدخلها العسكري في مناطق تبعد آلاف الأميال عن أراضيها، فإن روسيا لن تعجز عن إيجاد عشرات المبررات لمواجهة تهديد استراتيجي يربض على حدودها الجنوبية والغربية.