بات واضحاً أن لغة الدبلوماسية التي سادت لفترة بين واشنطن وموسكو لم تنجح في إيجاد توافق من أي نوع كان حول كيفية وضع حدّ لتصاعد التوتر حول أوكرانيا. اجتماعات سيرغي لافروف وجون كيري انتهت إلى لانتائج انعكست على الأرض طلباً رسمياً من برلمان شبه جزيرة القرم بالانضمام إلى روسيا، في مقابل تحركات لفرض عقوبات وحصر على الدب الروسي، تعوقه أضرار خطوة كهذه على الغرب نفسه، يُضاف إليها عرض عضلات عسكري أميركي في البحر الأسود.


وصوّت برلمان القرم بغالبية 78 عضواً من أصل 81، أمس، لمصلحة الانضمام إلى روسيا، على أن يعرض الأمر على استفتاء شعبي في السادس عشر من الشهر الجاري، في خطوة بحثها الرئيس فلاديمير بوتين خلال اجتماع لمجلس الأمن الروسي برئاسته، حسبما أعلن الكرملن أمس.
ونقلت وكالة أنباء «ريا نوفوستي» الروسية عن المتحدث باسم الكرملن، ديمتري بيسكوف، أن مجلس الأمن الروسي عقد اجتماعاً استثنائياً لبحث الوضع في أوكرانيا، وخصوصاً طلب برلمان القرم.
من جهته، أعلن رئيس لجنة مجلس الدوما لشؤون رابطة الدول المستقلة، ليونيد سلوتسكي، أمس، أن موقف روسيا بشأن القرم سيحدد نهائياً بعد إجراء الاستفتاء العام هناك. وقال سلوتسكي إن كافة الكتل البرلمانية في مجلس الدوما الروسي تؤيد اليوم وحدة أراضي أوكرانيا. إلا أنه أضاف أن نواب الدوما يتفهّمون لماذا يطرح سكان القرم مثل هذه الأسئلة في الاستفتاء، مؤكداً أن البرلمان الروسي سينظر بعد الاستفتاء في القرم في مشروع قانون يسمح لشبه الجزيرة بالانضمام إلى روسيا الاتحادية.
ويأتي الاستفتاء في القرم في وقت حذرت فيه الولايات المتحدة أمس من أن تنظيم استفتاء في جمهورية القرم بشأن انضمامها إلى روسيا، من دون مشاورات مع سلطات كييف، سيشكل انتهاكاً للقانون الدولي.
وقال مسؤول أميركي رفيع المستوى إن «الولايات المتحدة ترى أن أي قرار حول القرم يجب أن تتخذه حكومة كييف»، مضيفاً أنه لا يمكن القبول «بوضع تكون فيه الحكومة الشرعية لبلاد ما مستبعدة من عملية اتخاذ القرار بشأن بعض أجزاء هذا البلد. هذا انتهاك واضح للقانون الدولي».
في السياق، قال عمدة مدينة سيفاستوبل ألكسي تشالي أمس إن مدينته «تتخلى عن المشاركة في الانتخابات التي تفرضها السلطة غير الشرعية»، مؤكداً أن المدينة تتمسك حالياً بالقانون، وتحاول الحفاظ على العلاقات الاقتصادية مع كييف، مشيراً إلى أنها لا تزال تدفع الضرائب وتتوقع الشيء نفسه من العاصمة.
من جانب آخر، أعلنت منظمة الأمن والتعاون في أوروبا أمس، في فيينا، أن المراقبين الذين أرسلوا إلى أوكرانيا بطلب من السلطات الجديدة في كييف منعوا من دخول القرم. وقالت متحدثة باسم المنظمة إن العسكريين غير المسلحين البالغ عددهم 40 شخصاً، ويمثلون 21 دولة من أعضاء المنظمة، أرغموا على العودة أدراجهم في اتجاه مدينة خيرسون، حيث سيقررون كيفية متابعة مهمتهم.
وكان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قال في وقت سابق إن محاولات «شركائنا» لاتخاذ إجراءات إزاء أزمة أوكرانيا، من خلال منظمة الأمن والتعاون في أوروبا وحلف شمالي الأطلسي، لا تساعد على التعاون والحوار.
وأضاف، في بيان أصدرته وزارة الخارجية أمس، «أريد أن أقول باختصار إننا عقدنا اجتماعاً مع وزير الخارجية الأميركي جون كيري تناول الوضع في أوكرانيا في ما يتعلق بالإجراءات التي يحاول شركاؤنا القيام بها، من خلال منظمة الأمن والتعاون في أوروبا ومجلس حلف شمالي الأطلسي وروسيا وغيرها من المنظمات الدولية، وهي إجراءات لا تساعد على خلق مناخ للحوار والتعاون البناء». كذلك رأى لافروف أن لقاءه كيري أمس، والذي جاء على هامش مؤتمر دولي حول ليبيا، في العاصمة الإيطالية روما، لم يسفر عن جديد.
وأضاف لافروف، في تصريحات صحافية في مقر وزارة الخارجية الإيطالية عقب اللقاء، «لم نصل بعد إلى تفاهم نهائي حول أوكرانيا»، مضيفاً «في الوقت الراهن لا يمكننا أن نعلن للمجتمع الدولي التوصل إلى اتفاق».
من جهته، أعلن البيت الأبيض أمس أن الرئيس الأميركي باراك أوباما أمر بفرض عقوبات ضد مؤسسات وشخصيات رسمية روسية اعتبرها «تهدد سيادة أوكرانيا ووحدتها». وينص الأمر على حظر دخول هذه الشخصيات، التي تعتبرها واشنطن مسؤولة عن «تقويض المسار والمؤسسات الديمقراطية في أوكرانيا»، إلى الولايات المتحدة. وجاء في البيان الصادر عن البيت الأبيض أن واشنطن مستعدة لبحث خطوات وعقوبات أخرى وفقاً لتطور الأوضاع في أوكرانيا.
كذلك أعلن سلاح البحرية الأميركي أمس أن المدمرة الأميركية القاذفة للصواريخ «يو اس اس تراكستن» في طريقها إلى البحر الأسود للمشاركة في مناورات عسكرية مشتركة مع البحريتين البلغارية والرومانية، مؤكداً أن هذه المناورات مقررة منذ ما قبل الأزمة الأوكرانية.
وقد تزامن هذا الإعلان مع تصريحات لمسؤول كبير في الإدارة الأميركية رأى فيها أن أي تحركات روسية في شرق أوكرانيا يمكن أن تزيد تصعيد الموقف، وأميركا مستعدة لاتخاذ خطوات إضافية.
في السياق، أعلن رئيس الوزراء الأوكراني أرسيني ياتسينيوك أمس، أمام الحلف الأطلسي، أن حكومته «لا تملك خياراً عسكرياً»، داعياً روسيا إلى «القيام بالخطوة الأولى إلى الوراء»، مضيفاً «نحن مصمّمون على تسوية هذه الأزمة سلمياً».
إلى ذلك، حذر وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير أمس من أن فرض عقوبات على روسيا من شأنه أن «يفوّت فرصة التوصل إلى حل دبلوماسي» للأزمة الأوكرانية، مشيراً إلى أنه لا يجوز تجاهل تطورات الأحداث في أوكرانيا في الـ24 ساعة الأخيرة. وأضاف: «أعتقد أن كل الأبواب التي يمكننا المرور من خلالها لم تغلق في بروكسل».
(الأخبار، أ ف ب، الأناضول)