برلين | اتفق قادة ورؤساء حكومات دول الاتحاد الأوروبي أمس، في قمتهم الطارئة، على فرض عقوبات خفيفة على روسيا. وشارك في هذه القمة للمرة الأولى رئيس الحكومة الانتقالية في أوكرانيا أرسيني ياتسينيوك.

على الرغم من أن جميع المشاركين كانوا متفقين على ضرورة توجيه ردّ قاس لموسكو وعدم السماح لها بالإفلات بفعلتها من دون عقاب، استمر الخلاف حول طبيعة هذا الرد وحجمه، لتخرج القمة بمقررات مطابقة لما تسرب صدفة أو عمداً من تعليمات رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون لموظفيه، يوم الاثنين الفائت، عن أن بريطانيا ترفض فرض عقوبات جدية على موسكو، وتميل إلى الاكتفاء بتجميد المباحثات حول رفع القيود عن تأشيرات السفر بين الجانبين، ومنع سفر بعض المسؤولين الروس. وبينما وقفت ألمانيا واليونان ولوكسمبورغ بشدة إلى جانب بريطانيا في هذا الطرح، دعت دول أوروبا الشرقية، كبولندا ولاتفيا ولتوانيا، إلى تبنّي نهج تصعيدي رادع تجاه موسكو.

وأعربت هذه الدول عن مخاوفها من المطامع الروسية، خاصة بعد إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سعيه لحماية المواطنين الروس في شبه جزيرة القرم، التي صوّت برلمانها أمس لمصلحة الانضمام إلى روسيا؛ فدول البلقان تخشى من أن توسّع موسكو حمايتها للمواطنين الروس داخل هذه الدول، حيث تفوق نسبة الروس في ريغا عاصمة لاتفيا خمسين في المئة. ولا يختلف الأمر بالنسبة إلى عاصمة استونيا، بينما تنخفض هذه النسبة إلى 15% في عاصمة لتوانيا.
ويبدو الموقف الألماني الأكثر برودة في التعامل مع هذا الملف، إذ يلعب وزير خارجيتها فرانك فالتر شتاينماير دور رجل إطفاء يعمل على تبريد الرؤوس الحامية في الاتحاد. وقد تجلّى ذلك بوضوح أثناء حديثه إلى وسائل الإعلام في بروكسل وبرلين في الأيام الماضية، حيث جهد في اختيار الكلمات المناسبة لتجنّب قول ما يمكن تأويله خطأً ويؤدي إلى تأزيم الوضع. قال صراحة إن الوقت هو للتحدث بكلام يسهم في تخفيف التوتر. وتعتمد الحكومة الألمانية على التواصل المباشر مع موسكو، عبر خلية الحوار التي أنشأتها وحظيت بموافقة كل من واشنطن وموسكو عليها. وفي السياق عينه، حذّر منسق الشؤون الروسية لدى الحكومة الألمانية غرنوت أرلر من اللجوء إلى فرض عقوبات في الوقت الراهن، لأن ذلك سيسد النافذة الصغيرة التي لا تزال مفتوحة أمام التوصل إلى حل سياسي للأزمة.
ولا ينبع الخوف الألماني فقط من التبعات السياسية التي قد تنجم عن العقوبات، بل تتخوف الشركات الألمانية من أن تدفع فاتورة باهظة ثمناً لأي عقوبات قد تفرض على موسكو، إذ إن حجم الاستثمارات الألمانية في روسيا يفوق عشرين مليار يورو. وقد تراجع مؤشر داكس الألماني يوم الاثنين الفائت بنحو ملحوظ لمجرد التلويح بفرض عقوبات. كذلك فإن ألمانيا تستورد من روسيا أربعين في المئة من احتياجاتها من النفط والغاز، بينما ترتفع هذه النسبة لدى عدد من الدول الأوروبية الأخرى، وتعتبر روسيا الشريك الثالث تجارياً على مستوى الاتحاد الأوروبي ككل. وهذا ما يزيد الأمور تعقيداً.
في المقابل، ستستمر واشنطن في الضغط على الاتحاد الأوروبي لفرض عقوبات اقتصادية موجعة على موسكو. فإدارة واشنطن تدرك جيداً أن عقوبات منفردة ضد موسكو لن تؤثر كثيراً في الرئيس فلاديمير بوتين. وفي هذا الإطار يقول الخبير في المعهد الأميركي للدراسات الألمانية المقارنة في واشنطن، جاك جاينس، إن «روسيا ليست بين الدول العشر الأولى من حيث سلّم التبادل التجاري مع واشنطن، ولذا فإن أي عقوبات اقتصادية أميركية لن تكون ناجعة إلا إذا شارك فيها الأوروبيون».
كذلك فإن روسيا قادرة على الرد وإيلام الطرف الآخر اقتصادياً أيضاً، وهو ما يقوله الديبلوماسي الروسي السابق فياتشسلاف ماتوزوف الذي رأى في اتصال مع «الأخبار» أن حديث الرئيس الأميركي باراك أوباما عن عزل روسيا مثير للضحك، إذ «يبدو أن أوباما لا يعرف حجم روسيا الحالي على الصعيد الاقتصادي الدولي، ولا يعرف من هم حلفاؤها وشركاؤها».
ويتساءل الخبراء الاقتصاديون في ألمانيا حول ما بعد الموافقة على منح أوكرانيا مساعدات وقروض بقيمة 11 مليار يورو. فهذه المبالغ كافية لتجنيب كييف إعلان إفلاسها، ولكن ماذا عن المرحلة المقبلة؟ ماذا عن الإصلاحات والتنمية وتطوير عجلة الإنتاج؟ وماذا بعد نيسان المقبل؟ فإذا كانت كييف الآن عاجزة عن تسديد فواتير غازبروم الروسية بالسعر التفضيلي، فماذا ستفعل عندما سترفع موسكو سعر الغاز بنسبة ثلاثين في المئة اعتباراً من نيسان المقبل؟ وإلى أي مدى سيكون الاتحاد الأوروبي قادراً على الاستمرار في تمويل أوكرانيا التي تبدو كبئر من دون قعر، في الوقت الذي تمر فيه عدة دول في الاتحاد بأزمات مالية ضخمة لا تزال تهدد منطقة اليورو برمتها؟
من جهته، رأى المحلل السياسي في صحيفة «فرانكفورتر روندشاو» الألمانية، فيكتور فونك، أن «الغرب أخطأ في حساباته وفي قياس رد فعل روسيا، فقد اندفع نحو التوسع شرقاً من دون أخذ المصالح الحيوية الروسية بعين الاعتبار، من الاعتراف بجمهورية كوسوفو وصولاً إلى الحرب على نظام معمر القذافي. كذلك فإن المشاريع الأميركية بنشر درع صاروخية في بولندا ورومانيا لا تزال تثير حفيظة موسكو. فإذا كان بوتين لم يتخلّ حتى الآن عن حليفه الرئيس السوري بشار الأسد، فكيف سيتخلى عن حديقته الخلفية وقاعدته العسكرية في شبه جزيرة القرم؟».
أما السياسي الألماني المخضرم إيغون بار، مهندس اتفاقيات ألمانيا الغربية مع دول شرق أوروبا، والذي كان من أقرب المقربين إلى المستشار الألماني الراحل فيلي براندت، قد رأى في حوار تلفزيوني أنه لا يخشى حدوث مواجهة عسكرية.
ودعا الغرب إلى نسيان موضوع شبه جزيرة القرم، لأن بوتين لن ينسحب منها. وطالب الاتحاد الأوروبي بالعمل ديبلوماسياً على الحد من الخسائر، لكي لا تدعم موسكو حركات انفصالية أخرى في الأقاليم الشرقية من أوكرانيا، ما سيؤدي إلى تفكك أكبر وانقسامات أكثر، وربما إلى حرب أهلية. وأكد بار حاجة الغرب إلى روسيا في حل الكثير من الملفات الدولية العالقة، ومنها الملف النووي الإيراني والأزمة السورية والقضية الفلسطينية.