على وقع الاشتباكات والمعارك الدائرة في الشرق، تجرى غداً الأحد الانتخابات الرئاسية الأوكرانية في ظروف هي من دون شك الأصعب على هذا البلد منذ استقلاله إبان انهيار الاتحاد السوفياتي. فانفصال شبه جزيرة القرم عن حكومة كييف وانضمامها إلى روسيا في آذار الفائت، وإعلان كل من مقاطعتي دونيتسك ولوغانسك انفصالهما عن كييف وتأسيس دولتين مستقلتين، تمهيداً لتقديم طلب انضمام إلى روسيا، جعلا من انتخابات الرئاسة حدثاً ثانوياً في البلاد.


لكن وسط هذه السلبيات والمصاعب هناك من يرى في هذه الانتخابات فتحة أمل لأوكرانيا لاستعادة شيء من عافيتها؛ فرئيس منتخب ديموقراطياً من قبل الشعب في انتخابات مباشرة قد يكون الدواء والحل الكفيلين بإقناع الانفصاليين في الشرق بالجلوس إلى طاولة حوار كانت اتفاقية جنيف الموقعة في 17 نيسان بين حكومة كييف والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا قد طالبت بتأسيسها. كذلك يرى هؤلاء أن انتخاب رئيس جديد سينزع كافة أشكال الشرعية عن أي تحرك أو اعتراض للانفصاليين الرافضين المشاركة في العملية الاقتراعية في الشرق، لأنهم عندها سيكونون هم المسؤولين عن تفويت فرصة إسماع صوتهم وإيصال رسالتهم في انتخابات ديموقراطية.
أما في الجهة المقابلة، فالاعتراضات على إجراء الانتخابات في هذه الظروف كثيرة؛ فالانفصاليون ومن ورائهم روسيا لا يعترفون أصلاً بشرعية الحكم القائم في كييف: الرئيس الحالي لأوكرانيا والمعيّن من قبل البرلمان أولكسندر تورتشنوف جرى تنصيبه بطريقة غير شرعية من وجهة نظر انفصاليي الشرق، تلى انقلاباً على الرئيس السابق فيكتور يانوكوفيتش المنتخب من قبل الشعب. كذلك تأمين الحكومة الغطاء للحركات اليمينية المتطرفة التي برزت مع بدء الانقلاب في تشرين الثاني، والتي ارتكبت مجزرة بشعة في مدينة أوديسا شرق أوكرانيا مُحرقةً مبنى النقابات الذي كان يتحصّن فيه الداعين إلى الانفصال، وموديةً بحياة 46 فرداً، لا يضفي مصداقية كبيرة على دعوة كييف للشرق الى المشاركة في اختيار الرئيس المقبل. نقطة أخرى تساهم في تعرية هذه الانتخابات من الشرعية، هي إعلان مقاطعتي دونيتسك ولوغانسك منع إدخال صناديق الاقتراع إلى «أراضيهما»، ما يلغي تلقائياً مشاركة 15% من الناخبين في البلاد. أضف إلى ذلك عدم وجود مرشحين يمثلون الشرق الأوكراني، لإيمانهم بعدم شرعية الانتخابات، وبذلك يكون الرئيس الأوكراني القادم يمثّل القسم الغربي من أوكرانيا فقط.
وبالانتقال إلى لائحة المرشحين للرئاسة، فإن أياً منهم لا يبشّر بتغيير جذري يعيد إلى البلاد لحمتها ويضعها على السكة الصحيحة مرة أخرى. المرشحون الـ21 قد يختلفون في أشياء عدة، إلا أنهم متفقون على العداء لموسكو. ومن اللائحة يبرز ثلاثة مرشحين جديين، هم الملياردير بيترو بوروشينكو، رئيسة الوزراء السابقة وإحدى الشخصيات الأكثر إثارةً للجدل في تاريخ أوكرانيا الحديث يوليا تيموشينكو، ونائب رئيس الوزراء السابق سيرغي تيغيبكو.
ويبدو بيترو بوروشينكو الأوفر حظاً بحسب استطلاعات الرأي الأخيرة في أوكرانيا، وهو ملياردير ملقب بـ«ملك الشوكولا»، نسبةً إلى امتلاكه أكبر مصانع الحلويات في أوكرانيا. وبوروشينكو هو أحد الأغنياء القلائل الذين قرروا دعم الانقلاب الذي أطاح الرئيس السابق فيكتور يانوكوفيش، ولعل هذه الخطوة هي ما دفع بالناخبين إلى إبداء إعجابهم به، فمن خلالها أعطى نفسه صورة البطل المستعد للتضحية من أجل وطنه. وما يعزز من حظوظه هو امتلاكه للخبرة على الساحة السياسية، فقد شغل منصب وزير الخارجية ووزير الاقتصاد في حكومات سابقة.
أما يوليا تيموشينكو، فهي في غنىً عن التعريف. فالمرأة التي شغلت منصب رئيسة الوزراء في مناسبتين، أولاهما عام 2005 وثانيتهما عام 2007، كانت من بين قادة الثورة البرتقالية الشهيرة عام 2004. إلا أنها سُجنت عام 2011 لإدانتها بتهم تتعلق بالفساد واستغلال السلطة قبل إطلاق سراحها في الثالث والعشرين من شباط. ويُتوقع أن تحل ثانية في السباق الرئاسي.
ثالث المرشحين البارزين هو سيرغي تيغيبكو الذي يعطي نفسه صفة المحايد، فهو يهاجم حكومة كييف وسياسيتها المتبعة في الشرق، وهو يعتمد على قاعدته الشعبية هناك من أجل دعم حظوظه، إلا أن مقاطعة القسم الأكبر من ناخبي الشرق للانتخابات سيكون لها تأثير سلبي على فرصه في الوصول إلى الرئاسة، وستحدّ من قدرته على تشكيل خطر فعلي على بوروشينكو وتيموشينكو.