بعد ميله إلى الغرب لسنوات وسعيه للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، جنح النظام الإسلامي في تركيا منذ عام 2009 نحو العالم العربي عبر قطعه، تدريجياً، للعلاقات مع إسرائيل والتودد إلى جيرانه قبل أن تؤدي أنقرة دوراً رئيسياً في «الربيع العربي».


اليوم، مع التغيرات التي طرأت على المشهد في الشرق الأوسط، وبعد «الخيبات» المتتالية التي حصدها رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، تعيد أنقرة تموضعها للمرة الثالثة في أقل من خمس سنوات. يبدو أن حكومة أردوغان، الطامح إلى الرئاسة، توجه أنظارها نحو الداخل. وقد تكون مقاربة الملف الإسرائيلي هذه الأيام تحركها التوازنات السياسية الداخلية.
غير أن الرجل الذي بات مقتنعاً بأنه «يفوز دائماً»، يحاول على ما يبدو أن يحقق مكاسب على أكثر من جبهة. لذلك، بإمكانه أن يسير في مساعي إعادة تطبيع العلاقات مع إسرائيل بالتزامن مع تحريك دعوى قضائية ضد مسؤولين إسرائيليين بارزين، لكسب ودّ الرأي العام التركي خلال الموسم الانتخابي المقبل.
وبعد نحو سنة من «اعتذار» رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لأردوغان، خلال اتصالٍ هاتفي جرى بعد ضغطٍ من الرئيس الأميركي باراك أوباما، يعبّر دبلوماسيون من الجانبين عن مخاوف من «تبدد آمال» إعادة تطبيع العلاقات بين أنقرة وتل أبيب. فقد أصدرت المحكمة الجنائية السابعة في إسطنبول مذكرات توقيف بحق أربعة قياديين سابقين في الجيش الإسرائيلي، هم رئيس الأركان السابق للجيش الإسرائيلي غابي أشكينازي، رئيس الأركان السابق للقوات البحرية إليعازر ماروم، الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية عاموس يدلين، ورئيس الأركان السابق للقوات الجوية أشيفاي ليفي. كذلك طلبت المحكمة من الإنتربول إصدار «بطاقة حمراء» ضدهم، وذلك على خلفية دعوى رفعتها عائلات ضحايا الغارة التي شنّها جيش الاحتلال على سفينة «مافي مرمرة» ليل الأول من حزيران عام 2010. الدعوى أعيد تحريكها بعد وفاة أوغور سليمان، أحد مصابي الغارة، بعد بقائه أربع سنوات في غيبوبةٍ داخل مستشفى في إسطنبول. هذه الخطوة المفاجئة في الذكرى الرابعة للهجوم على سفينة المساعدات الإنسانية التي حاولت اختراق الحصار المفروض على غزة، أثارت تساؤلات عن تغير في المزاج الرسمي في تركيا إزاء إعادة التطبيع مع الدولة العبرية. وأكد أردوغان، قبل أيام، أن الدعوى لن تؤثر في مسار إعادة التطبيع. وقال في مؤتمرٍ صحافي إن الدعوى أقامتها عائلات الشهداء والمصابين، «وهذا مسار منفصل». والمستغرب هنا، أن أردوغان نفسه هو من لمّح أكثر مرة إلى رغبته في القضاء على أي استقلالية في القضاء التركي.
غير أن التعليق الإسرائيلي لم يكن منسجماً مع الرأي التركي الرسمي. عاموس يدلين الذي يرأس حالياً «المعهد القومي للدراسات الاستراتيجية» في إسرائيل، قال في حديثٍ لوكالة «رويترز»: «أنا لن أزور تركيا، تماماً كعدم عدم زيارتي سوريا أو إيران أو كوريا الشمالية».
من جهته، أشار وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه يعالون إلى أن الحكومة الإسرائيلية «كانت على استعداد لتنظيم العلاقات مع تركيا»، مضيفاً أنه «لا يوجد نضج على الجانب التركي لتحسين الوضع، وهذه الحملة تشنها تركيا لأسباب سياسية داخلية».
الدعوى القضائية تعود إلى عام 2012 قبيل الذكرى الثانية للهجوم على «مافي مرمرة». حينها رأت وسائل إعلام إسرائيلية أن الدعوى «غير جدية»، وأنّ «من البديهي ألا يقبع المسؤولون الإسرائيليون خلف القضبان». وأكدت صحيفة «جيروزاليم بوست» آنذاك، أن مذكرات التوقيف الدولية «لن تلزم الدول بتوقيف القادة الإسرائيليين» استناداً إلى قرار بعثة الأمم المتحدة التي كُلفت التحقيق في الحادثة. البعثة توصلت إلى أن «الضربة الإسرائيلية شرعية»، بحسب الصحيفة العبرية.
كذلك قلل السفير التركي السابق في تل أبيب أوغوز تشيليكول من أهمية قطع العلاقات الدبلوماسية منذ البداية، قائلاً إنها ليست المرة الوحيدة التي يُسحَب فيها السفراء بين الطرفين. هذا الرأي تدعمه حقيقة أن العلاقات بين إسرائيل و«أول حليف ذات غالبية مسلمة» لها في العالم، لم تكن مقطوعة إلا شكلاً. إذ إن التنسيق العسكري والأمني لم ينقطع يوماً، على الرغم من تجميد الاتفاقيات العسكرية في أيلول 2011.
بعد الحادثة البحرية، وضعت أنقرة ثلاثة شروط لإعادة العلاقات مع تل أبيب: أولاً الاعتذار، ثانياً تعويضات مالية من الجانب الإسرائيلي لأهالي الضحايا والمصابين، ثالثاً رفع الحصار عن قطاع غزة. غير أن اعتذار نتنياهو كان كافياً للمباشرة في بلورة مفاوضات لاستعادة التبادل الدبلوماسي.
يرى كثيرون في الحكم القضائي «رافعة شعبية» لأردوغان في الفترة المقبلة، التي ستمهد إلى الانتخابات الرئاسية في العاشر من آب.
الرجل ذو الرهانات الخاسرة في السنوات الثلاث الماضية، سيستغل مشاعر العداء التي لا يزال معظم الأتراك يكنّها لإسرائيل ليزيد من احتمالات وصوله إلى قصر «شنقايا» الرئاسي، في وقت يواصل فيه سرّاً مساعي استعادة العلاقات مع إسرائيل، ونيله بالتالي الرضى الأميركي، قبل أن يكمل استدارته... غرباً!