تزامن حدثان مهمان على مستوى النظام المالي العالمي مع بداية تموز. الأوّل هو دخول قانون التكليف الضريبي على الأميركيين القاطنين خارج حدود بلدهم، «فاتكا» (FATCA)، حيز التنفيذ. أما الحدث الثاني فهو اعتراف المصرف الفرنسي «BNP Paribas» بالاتهامات الأميركية الموجهة إليه، على مستوى خرق العقوبات المفروضة على بعض البلدان، والموافقة على تسديد غرامة قياسية لواشنطن.


لعلّ أبرز خلاصة من هذين الحدثين، هي أن واشنطن، بخلاف الاعتقاد الذي ساد لبرهة بعد الأزمة المالية العالمية، تعزّز قبضتها على النظام المالي العالمي؛ وتتعاطى مع الذين يخرقون قوانينها، مهما تكن غوغائية، على نحو صارم ومن دون دبلوماسية (إلا إذا كان المقابل أكبر).
بداية مع الغرامة المالية التي تُعد الأكبر في تاريخ النظام المالي الأميركي. فقد وافق المسؤولون في المصرف الفرنسي على تسديد 8.9 مليارات دولار للسلطات الأميركية، بناءً على اعترافاتهم بأن المصرف الشهير عمد إلى إخفاء أسماء شركات وأفراد في إيران وكوبا والسودان، تعامل معها رغم العقوبات الأميركية بين عامي 2002 و2012. وكانت وزارة العدل الأميركية قد طالبت بتعويض يبلغ عشرة مليارات دولار، للتكفير عن هذه التهمة.


التعاطي الفوقي مع أوروبا قد يدفع مؤسسات مالية إلى الالتفات شرقاً

لا يقتصر العقاب على الغرامة، فهو يحرم المصرف من إجراء تعاملات وعمليات مقاصة بالدولار الأميركي لفترة عام كامل، ما قد يحدّ بشكل كبير من تعاطيه مع الزبائن العالميين ومحدودية نشاطه أوروبياً.
العقوبة هائلة لدرجة أن وزير المال الفرنسي ميشال سابين كان قد حذر، بداية الشهر الماضي، من فرضها ومن أنها قد تؤثر على محادثات التجارة الحرة العالمية. قال صراحة: لا نريد أن تُطبق العدالة الأميركية على نحو غير متوازن، أكان الأمر متعلقاً بمصرف فرنسي أم أوروبي.
ما يشير إليه الوزير الفرنسي، هو أن العمليات التي أجراها المصرف ويُعاقب عليها، أميركياً، لا تخرق القوانين الأوروبية أو حتى الفرنسية، نظراً إلى أنها تمّت بالدولار الأميركي، لا باليورو. ولكن هنا تماماً يكمن بيت القصيد أي مصدر القوة الأميركية. فطالما أن العملة الخضراء هي الحاكمة في السوق كونها المرجع النقدي الأكثر قبولاً حول العالم، وطالما أن جميع العمليات المصرفية والمالية، عالمياً، يجب أن تمر في مركز المقاصة المالي الأميركي، فلا مهرب من كماشة العقوبات المالية.
رغم ذلك، فإن الإجراءات الأميركية رغم إفاداتها المالية المباشرة، الاستراتيجية والسياسية، فإنّها قد ترتد على واشنطن. مثلاً، التعاطي الفوقي مع أوروبا قد يدفع مؤسسات مالية عديدة، وحتى بلدان إلى الالتفات شرقاً صوب تعاملات مالية مختلفة غير محكومة بالدولار وبسلطة نيويورك.
يُشار هنا إلى أن العقوبة على المصرف الفرنسي ليست الأولى من نوعها. فقبلها فرضت أميركا على المصرف البريطاني العالمي HSBC عقوبة قاربت مليار دولار، وعاقبت مصارف أوروبية أخرى، ما أدى إلى تصاعد أصوات تندد بخطورة ما يقترفه الأميركيون؛ البعض حذّر من أن العقوبات تؤثر جدياً على وضعية لندن كمركز مالي عالمي.
هذه الإجراءات العقابية هي نتيجة سياسة صارمة بدأت واشنطن بتطبيقها، منذ أكثر من ست سنوات، لتعزيز قبضتها على قنوات التبادل المالي العالمي والضغط على البلدان التي تخالفها سياسياً وعلى المؤسسات التي تتعامل مع تلك البلدان أو مع شركات عاملة فيها.

العقوبة على
المصرف الفرنسي جزء من سياسة بدأت
منذ 6 سنوات
ومن بين ما تضمنته تلك السياسة، قانون تكليف الأميركيين غير المقيمين في بلدهم _ حاملي الجنسية أو البطاقة الخضراء (الإقامة الدائمة) _ FATCA. وقد دخل جزء من هذا القانون حيز التنفيذ بالتزامن مع إقرار المصرف الفرنسي بخرق العقوبات الأميركي. ولكن كما تبين للكثيرين فهو معقّد، غير عادل ونفاقي، بحسب التعبير الذي استخدمته مجلة «إيكونوميست» في تحقيقها أخيراً عن القانون العجيب؛ والخلاصة التي توصلت إليها هي أن القانون يُضرّ بأميركا ومصالحها وحتى خزنتها، أكثر مما يفيدها رغم المليارات والمعلومات الهائلة التي يجمعها.
فعلياً، وعلى الرغم من أن أكثر من 77 ألف مؤسسة مالية حول العالم وقّعت الاتفاقية، وبالتالي تحوّل كلّ مسؤول عن قسم الامتثال للقوانين فيها (Compliance Officer)، إلى مخبر لصالح إدارة الضرائب الأميركية، إلا أنّ المخطط ليس لصالح «العم سام» تماماً.
فأميركا تريد من جميع المؤسسات والبلدان تقديم المعلومات إليها ساعة بساعة ووقت ما تشاء (Real Time Feed)، عوضاً عن المقاصات الدورية. غير أنها في الوقت نفسه، لا تريد تقديم المعلومات إلى البلدان الأخرى في إطار من العدالة في التعاطي والإدارة، وبالتالي العقاب.
وهذه السياسة المزدوجة، تماماً كالسياسة العقابية المعتمدة مع المؤسسات المالية الأوروبية، قد ترتد على أميركا ومصالحها. فالمجلة البريطانية نفسها تفيد بأنّ القانون المزعج _ الذي يقضي بتصريح جميع المصارف والمؤسسات المالية عن زبائنهم الأميركيين وعن دخلهم _ يدفع المصارف إلى رفض طلبات الأميركيين المقيمين في الخارج لفتح حسابات أو تنفيذ معاملات مالية معينة هرباً من وجع الرأس!
هذا الوجع ليس هيناً بوجود أكثر من سبعة ملايين أميركي مقيمين خارج الحدود الأميركية. والقضية ترفع من عدد الأميركيين الذين يتخلون عن جنسيتهم وجعل البلد الذي يشغلهم وطناً.
إذاً، على جبهة التكليف الضريبي، تحقق أميركا إيرادات لا يحققها أي بلد آخر، لكنها في الوقت ذاته تربي غضباً على إجراءات مالية نتجت من الضرورة، (بهدف تعزيز الإيرادات بعد الأزمة المالية).
وعلى جبهة فرض العقوبات على مؤسسات مالية «لا تحترم» القوانين التي تفرضها، تستهزئ واشنطن بالغضب المالي المتعاظم من أوروبا، وصولاً إلى الشرق. غير أن هذا الغضب قد يجردها من أداة التسلط الأساسية التي تسيطر عليها.




سبعة ملايين أميركي يكرهون أميركا!


السياسة المزدوجة التي تتبناها الولايات المتّحدة على مستوى المعلومات المالية _ والتي تقتضي الضغط على الآخرين لتقديم المعلومات التي في حوزتهم، فيما تحجب كنوزها المعلوماتية عنهم _ قد ترتد عليها وعلى مصالحها المالية، تماماً كما يحصل مع السياسة العقابية المعتمدة مع المؤسسات المالية الأوروبية.
بحسب مجلة «إيكونومست»، فإن القانون المزعج _ الذي يقضي بتصريح جميع المصارف والمؤسسات المالية عن زبائنهم الأميركيين وعن دخلهم _ يدفع المصارف إلى رفض طلبات الأميركيين المقيمين في الخارج لفتح حسابات أو تنفيذ معاملات مالية معينة هرباً من وجع الرأس! هذا الوجع ليس هيناً بوجود أكثر من سبعة ملايين أميركي مقيمين خارج الحدود الأميركية.
والقضية ترفع من عدد الأميركيين الذين يتخلون عن جنسيتهم وجعل البلد الذي يشغلهم وطناً.