لم يتراجع مشروع «حزب العدالة والتنمية» في تركيا بعد، ولم تتراجع سلطة زعيمه بدورها. يتقدم رجب طيب أردوغان على رأس حزبه الحاكم من تاريخ إحياء مئوية الجمهورية التركية، بعد تسعة أعوام من اليوم، وقد بات قريباً من تثبيت دور تاريخي في إعادة رسم معالم هويتها وحجز مكانة قد توازي تلك الخاصة بمؤسسها مصطفى كمال أتاتورك.


وتأتي الدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية غداً حاسمة في هذا المسار، حيث يضع أردوغان هدفاً أساسياً في حال نجاحه، يتمثل في إدخال تعديلات جديدة على الدستور تقود إلى إقامة نظام حكم رئاسي من شأنه تثبيت النجاحات التي حققها حزبه على مدى نحو عقد، وكفيل كذلك بتأمين استمرارية لنهجه في إدارة شؤون الدولة، وفي الإمساك بزمام السياسة الخارجية بشكل أكبر.
ويندرج المسعى المذكور في سياق مسار تصاعدي من التعديلات التي أدخلها «العدالة والتنمية» على آليات الحكم في البلاد، وأعاد عبرها توزيع القوى ما بين مختلف الأطراف المؤثرة، وأبرزها المؤسسة العسكرية. ولم يخف رئيس الوزراء التركي ومساعدوه في الأعوام الأخيرة طموح إدخال تعديلات دستورية أكبر، بل إن إشارات واضحة في هذا المجال جاءت بعد الانتخابات التشريعية في عام 2007، التي نتج منها نجاح نواب «العدالة والتنمية» في انتخاب عبدالله غول رئيساً للجمهورية في تحدٍّ صارخ لعدد من الأعراف، كذلك إن المواجهة مع قيادات المؤسسة العسكرية في ذلك الحين أعقبها استفتاء شعبي دعا إليه الحزب الحاكم وفُرض بموجبه اعتماد انتخاب رئيس للجمهورية عبر التصويت المباشر من الشعب، الأمر الذي سيقوم به الأتراك للمرة الأولى يوم غد، وهي آلية من شأنها إضفاء شرعية أكبر على مكانة الشخصية المنتخبة، شرعية لا يمنحه إياها تصويت النواب في الجمعية الوطنية كما كان متبعاً في السابق.


سيطبع أردوغان
منصب الرئاسة لما يمتلكه من قوة حضور


وتبع ذلك أن خاض «العدالة والتنمية» معركة حقيقية في استفتاء شعبي أجري في أيلول عام 2010، نجح من خلاله في إدخال إصلاحات على بنية النظام، بحيث حدّ من صلاحيات المؤسسة العسكرية، وخطا خطوة أولى لإعادة كتابة دستور جديد للبلاد بدل الدستور المعتمد في استفتاء شعبي حصد نسبة 92 في المئة «نعم» في عام 1982 بعد نحو عامين على انقلاب عسكري، أنتج وفقاً لباحثين أتراك توليفة جديدة للكمالية، قاده الجنرال كنعان أفرين ضد طبقة سياسية فشلت، بشكل أساس، في إخراج البلاد من الأزمة الاقتصادية.
وبعد انتخابات عام 2011، التي كسبها «العدالة والتنمية» من دون الحصول على أكثرية الثلثين، فشلت لجنة نيابية مكونة من أربعة أحزاب في كتابة دستور جديد، لتكون الاستحقاقات المقبلة على تركيا حاسمة في هذا المجال.
يقول أستاذ القانون الدستوري في «جامعة مرمرة» في إسطنبول إبراهيم كابوغلو: «منذ نحو 30 عاماً ونحن نناقش في تركيا مسألة التحوّل إلى نظام رئاسي، مستندين إلى النظام الفرنسي أو إلى النظام الأميركي. لكن في حالة العدالة والتنمية، هناك سعي إلى انتخاب رئيس للجمهورية عبر الاقتراع المباشر، وإلى حذف منصب رئاسة الوزراء، وإعطاء الرئيس من جهة صلاحيات واسعة في مسألة إعداد الموازنة ومنحه صلاحية حل الجمعية الوطنية من جهة أخرى، ويضاف إلى ذلك أن الرئيس يبقى زعيم حزبه. نرى جيداً أنه يجري تقديم مشروع وفق صيغة تركية بحتة تعطي صلاحيات واسعة للرئيس دون الارتياب من ذلك. وبالتالي، لدينا انطباع بأنه يجري تفصيل دستور على مقاس أردوغان، الذي لا يريد تقاسم السلطة وهو رئيس للوزراء، ولا حين يكون رئيساً للجمهورية».
لا يمكن فهم المحاولات الأردوغانية الحثيثة لإجراء هكذا تعديلات دستورية عميقة إلا في سياق «طموح مئوية الجمهورية»، التي للإشارة أقامها زعيم قومي في أكثر دلالات الكلمة سلبية، مستنداً إلى نظام الحزب الواحد. ويضاف إلى هذا الطموح فهم الحزب الحاكم لضرورة تثبيت الاستقرار السياسي في بلاد شهدت العديد من الانقلابات العسكرية، وهي في الوقت ذاته اليوم لما تزل تمتلك، خارجياً، طموحات أوروبية واسعة وتعيش في محيط عربي ملتهب، ويوصف حزبها الحاكم غالباً بأنه رأس حربة مشروع جماعة الإخوان المسلمين السياسي في محيطه العربي.
وعن أهمية تحقيق الاستقرار في البلاد، يقول الكاتب في صحيفة «زمان» علي أصلان كيليتش: «منذ اعتماد التعددية السياسية (في عام 1946)، عرفت تركيا أربع مراحل تميزت بالنمو الاقتصادي وبالاستقرار السياسي. تلك المراحل كانت ممكنة بفضل أحزاب قوية وزعماء أقوياء: الحزب الديموقراطي (الذي كان يتزعمه رئيس الوزراء عدنان) مندريس 1950-1960، حزب العدالة (الذي كان يتزعمه سليمان) دميريل 1965- 1971، حزب الوطن الأم (الذي كان يتزعمه تورغت) اوزال 1983 – 1989، ومنذ عام 2002، حزب العدالة والتنمية بزعامة أردوغان». وتجدر الإشارة سريعاً إلى أنه بالإضافة إلى عهد وريث اتاتورك، عهد الرئيس عصمت إينونو الذي شهد بداية التعددية في تركيا وتثبيت موقع بلاده إلى جانب «العالم الغربي» بعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية، فإن الحقبات الأربع المذكورة شهدت في المقلب الآخر على تحول تركيا إلى بلد صناعي، مسجلة انفتاحاً متصاعداً على المؤسسات والتحالفات الغربية بمختلف وجوهها، وقد انضمت مثلاً تركيا إلى حلف الشمال الأطلسي منذ عام 1951.
في حال توليه الرئاسة، وإن أدخلت التعديلات على طبيعة النظام في تركيا أو لا، سيطبع أردوغان منصبه لما يمتلكه من قوة حضور في الساحة السياسية ولما يختزنه حزبه من قاعدة جماهيرية، فيكمل «العدالة والتنمية» المسار الشائك في اتجاه إحياء المئوية، وإن لم ينجح فسيشكل ذلك صفعة قوية لهذا المشروع ليتحول أردوغان ربما بعد فترة حالماً بمئوية تركياه في مكان ما.