أن يترشح رئيس حزب «ديموقراطية الشعوب» صلاح دميرتاس (40 عاماً) إلى الانتخابات الرئاسية التركية، فهذا يعني الكثير. لن يتمكّن ديميرتاس من الوصول إلى قصر «شنقايا» الرئاسي. هذه بديهية. بل إنه لن يحصد أكثر من 10% بحسب استطلاعات الرأي. لكن ترشّح الشاب اليساري إلى الانتخابات الرئاسية يمثّل، بلا شك، خطوةً نوعية.


لم يغب ظلّ زعيم حزب «العمال الكردستاني» المعتقل في جزيرة اميرلي عبدالله أوجلان عن مسيرة الناشط الراديكالي الذي يصبو إلى «إيصال الشعب إلى الحكم». أينما حلّ ديميرتاس أخيراً في تجمعات انتخابية للجاليات التركية في العالم، علت صور أوجلان إلى جانب أعلام الحزب الكردي الأم. ما دفع أردوغان أخيراً إلى القول إن دميرتاس «ينظر نحو الجبال»، في إشارةٍ إلى علاقاته بمقاتلي «الكردستاني» القابعين في جبال قنديل. تخرّج ديميرتاس من كلية الحقوق في جامعة أنقرة، بعدما أبعد عن كلية التجارة والإدارة البحرية في جامعة «9 أيلول» في إزمير لأسباب سياسية. عمل باكراً في فرع منظمة حقوق الإنسان في ديار بكر، قبل أن يرأس الفرع، ثم يشارك في تأسيس المنظمة التركية لحقوق الإنسان. عام 2007 ترأس كتلة حزب «المجتمع الديموقراطي» في البرلمان التركي بعدما فاز للمرة الأولى في الانتخابات النيابية. بعد عامين، اعتُقل ديمرتاس لعشرة أشهر للسبب نفسه، قبل أن يقود حملة العصيان المدني التي أعلنها حزب «السلام والديموقراطية» عام 2011 ضد حكومة رجب طيب أردوغان. تأسّس حزب «ديموقراطية الشعوب» في تشرين الأول الفائت عن «السلام والديموقراطية»، وهو الحزب البديل لـ«المجتمع الديموقراطي» (الذراع السياسية للعمال الكردستاني) الذي حظرته المحكمة الدستورية عام 2009 لصلاته بحزب أوجلان، المصنف «منظمة إرهابية» آنذاك.
المرشح الذي اتخذ من «نداء من أجل حياة جديدة» شعاراً لحملته الانتخابية يمثّل أملاً، وإن ضئيلاً، بخرق السطوة «الأردوغانية» في البلاد، حيث يمكن القول إن الاستقطاب الذي يظهر في هذا الاستحقاق، بين أردوغان ومرشح المعارضة أكمل الدين إحسان أوغلو، أقرب إلى «الصورية». فحين اختارت المعارضة التركية العلمانية العاجزة أن تحارب أردوغان، حاربته بسلاحه الإسلامي، ليتحول التنافس بين أردوغان وإحسان أوغلو إلى تنافس أقرب إلى الشخصانية القائمة على الفوارق الذاتية فقط.
في الآونة الأخيرة، شهد الملف الكردي تطورات مهمة. إذ أقرّ البرلمان التركي قبل نحو شهر مشروع قانون وضع الإطار القانوني لاتفاق السلام بين أنقرة و«العمال الكردستاني» الذي حصل بين الحكومة وأوجلان في 2013. مبادرة، عدّها كثيرون صفقة انتخابية، يحاول عبرها أردوغان كسب ودّ الأكراد.
يرى ديمرتاش أن أولى مهماته، في حال وصوله إلى سدّة الرئاسة، هي تغيير السياسة الخارجية لتركيا بعدما «فقدت أنقرة صدقيتها». يؤكد أن أردوغان لن يكون رئيساً لـ76 مليون تركي لأنه «لا يعكس التعددية والتنوع التركيين؛ في وقتٍ اضطهد فيه الأقليات العرقية والدينية، وحتى الأتراك أو المسلمين السنة الذين يعارضوه».
لن يحظى ديمرتاش إلا بتأييد الأقلية الكردية وبعض الأوساط اليسارية، هذا على الأقل ما يظهر من التبرعات لحملته الانتخابية التي اقتصرت على مليون ليرة تركية فقط. غير أن الأهم من الوصول إلى المنصب، يبقى في أن «الرفيق صلاح» أدخل ـ رمزياً ـ الحزب الذي كان مصنّفاً حتى الأمس القريب «منظمة إرهابية»، إلى السباق الرئاسي.