رغم المؤشرات الإيجابية التي لا تنفك قيادة «العدالة والتنمية» تكررها، تتكاثر التقارير الدولية التي تحذر من نمط التنمية القائم في تركيا، وتتنبّأ بأن أرقام النمو والاستهلاك تخفي وراءها اختلالاتٍ هيكلية من المحتم أن تطفو على السطح، عاجلاً أو آجلاً. ما لا يختلف عليه الاقتصاديون هو مصدر هذه القفزة التنموية: تدفق الرساميل الأجنبية، وخاصة إثر الأزمة المالية العالمية عام 2008.


سياسات «التسهيل الكمي» التي اعتمدتها الخزينة الاميركية في الأعوام الأخيرة وفّرت كميات هائلة من السيولة، كانت تُقرض للمصارف، ولا تزال، بفوائد منخفضة للغاية ــ أي ما يشبه المال المجاني. المصارف الغربية التي صارت تتربع على رساميل ضخمة تحتاج إلى منافذ استثمار، وجدت في القطاع المصرفي التركي مكاناً آمناً للإقراض، على عكس الأسواق المضطربة في أوروبا وأميركا الشمالية، فتدفقت عليه مئات المليارات من الدولارات. توافر المال الأجنبي في تركيا جعل القروض سهلة ورخيصة، للشركات كما للأفراد، فازداد الاستهلاك بشكلٍ هائل، وانتعشت السوق العقارية ومشاريع البناء، وتضاعفت المداخيل الضريبية للدولة.

تنمية بالدين

لماذا، إذاً، يحذر الخبراء الاقتصاديون من انهيارٍ وشيك في تركيا؟ ولماذا تخفض وكالات التصنيف العالمية تقييمها للاقتصاد التركي رغم كل المعطيات المشجعة (توقع وزير المالي التركي في الأيام الماضية أن تقوم وكالة «موديز» أيضاً بخفض تقييمها للاقتصاد التركي في التقرير الجديد الذي سيصدر في 8 آب)؟ هنا نصطدم بالوجه الآخر لمسيرة التنمية التركية في السنوات الماضية؛ الرساميل الأجنبية قد تولد قفزةً في معدل النمو، إلا أن هذا الازدهار يبقى مرهوناً باستمرار تدفق هذه الأموال. يكفي أن تغيّر بيوت الأموال العالمية وجهة استثمارها، أو أن ترتفع معدلات الفائدة في أميركا، حتى تنقلب الآية بالكامل، وتتحول حالة الوفرة المالية في السوق التركية إلى شحٍّ وأزمة.
ما هو أكثر خطراً أن نمط «الاستهلاك بالاستدانة» هذا قد سبب تغييرات هيكلية وعميقة في عمل الاقتصاد التركي، وقد تكون غير قابلة للعكس. حين ارتفعت مداخيل الأتراك، جاء أكثر الاستهلاك الاضافي من الاستيراد، فارتفعت واردات البلد بشكلٍ مهول، من 41 مليار دولار عام 2001 إلى أكثر من 250 ملياراً السنة الماضية! الصادرات والصناعات التركية، التي كانت مزدهرةً في الماضي والقاطرة الأولى للاقتصاد منذ الثمانينيات، خسرت الكثير من تنافسيتها بسبب ارتفاع الأجور، واتسع الفارق بينها وبين الواردات حتى وصل العجز التجاري التركي إلى مستويات مقلقة ــ حوالى 100 مليار دولار عام 2013، أي أكثر من 15 في المئة من الحجم الإجمالي للاقتصاد. هذا العجز تجري تغطيته حالياً عبر دفق القروض الخارجية، وهي حالة يعرف جميع المختصين أنها لا يمكن أن تستمر (إلا إذا كنت الولايات المتحدة).

بدايات الاقتصاد الليبرالي في تركيا

قد يكون الرئيس التركي السابق تورغت أوزال، صاحب المظهر التكنوقراطي الذي لا تخالطه الكاريزما، أهم شخصية سياسية في تاريخ تركيا الحديثة، ولا يمكن الحديث عن تشكل الساحة السياسية والاقتصادية في تركيا اليوم من دون العودة إلى ولايته وإصلاحاته في ثمانينيات القرن الماضي ــ وهي فتحت الاقتصاد التركي على مصراعيه وغيّرت تركيبة النخبة المالية إلى الأبد. تسلّم أوزال بلداً كان يشهد، بالمعدل، انقلاباً عسكرياً كل عشر سنوات وتحكم اقتصاده عائلات رأسمالية مكرسة منذ قيام الجمهورية، فقام الرئيس الجديد، إثر الحرب الأهلية المصغرة التي شهدتها البلد، وبدعمٍ أميركي، بإصلاحاتٍ أنهت ــ في الوقت نفسه ــ ما تبقى من نفوذ اليساريين والنقابات، إضافة إلى تفكيك هيمنة المجموعات الاقتصادية «التقليدية» (كعائلات «كوتش» و«صيبانجي») على الدولة والأعمال. سمح تحرير الاقتصاد بصعود فئةٍ جديدة من الصناعيين الأتراك، أكثرهم كان في الأناضول، وغالبيتهم من المسلمين المحافظين. «نمور الأناضول» هؤلاء ــ وهم انتظموا في نقابةٍ مستقلة عن الـ«توسياد»، معقل الرأسمالية العلمانية ــ أصبحوا القاعدة الأولى للإسلاميين الأتراك.
منذ أن ابتدأت الرساميل الأجنبية بدخول الاقتصاد التركي، أفَلَت، إلى حدٍّ ما، أهمية الصناعيين الأتراك (إسلاميين وعلمانيين) على حساب شركات البناء المحلية التي تضخمت وتوسعت بفضل ازدهار السوق العقاري وإطلاق مشاريع عامة بمئات المليارات ــ وهذه العقود المربحة كانت من أبرز الوسائل في يد قيادة «العدالة والتنمية» لاستمالة رجال الأعمال وخلق حلفاء سياسيين ــ تجاريين مؤثرين. أغلب التجار الأتراك الذين تورطوا أخيراً في فضيحة شراء وسائل الإعلام لمصلحة حزب «العدالة والتنمية» كانوا من مالكي شركات البناء، وقد تخللت التسجيل الذي فضح القضية نقاشاتٌ بينهم حول تقاسم عقود مطار إسطنبول الجديد.

أساطير التنمية

في كتابه الأخير عن رأس المال، يفند توماس بيكيتي النظرية «التفاؤلية» عن النمو، التي أسّس لها الاقتصادي كوزنتس وشاعت بعد الحرب العالمية الثانية. فكرة أن النمو يجب أن يكون هدفاً في حد ذاته، أو أنه، كما وصفه كوزنتس، «القارب الذي يعلو فيرفع معه الجميع»، تبين أنها لا تصلح لكل مكانٍ وزمان. الأساس هو في بنية النمو ومصادره واستمراريته؛ فعوامل خارجية اصطناعية، كشراء الأصول المحلية أو موجات الاستثمار المتذبذبة، يمكنها أن تخلق نمواً كبيراً على الورق، وتوسعاً مؤقتاً في الاستهلاك، ولكن هذه البيانات قد تخفي وراءها مشاكل عميقة. مصر، مثلاً، شهدت معدلات نمو عالية في التسعينيات دعت العديد من الاقتصاديين والمؤسسات المالية إلى امتداح «تجربتها»، قبل أن تتبين هشاشة هذا النمو والتناقضات التي تعتريه.
أردوغان وفريقه لا يملّون من تعداد أرقام النمو، غير أن الكثير من الخبراء الاقتصاديين يدق ناقوس الخطر، منذ سنوات، تحذيراً من «نمط التنمية اليوناني» الذي تسير عليه تركيا. واليونان أيضاً عرفت «معجزة اقتصادية» لأكثر من عقدين قبل أن تنكشف التناقضات الهيكلية في البلد، ويدفع اليونانيون ــ حتّى آخر بارة ــ ثمن سنواتٍ من الاستهلاك غير المحسوب.




الاقتصاد التركي بالأرقام


الواردات التركية: 61 مليار دولار عام 2000؛ 116 مليار دولار عام 2005؛ 260 مليار دولار عام 2011
الصادرات التركية: 27 مليار دولار عام 2000؛ 73 مليار دولار عام 2005؛ 134 مليار دولار عام 2011
العجز في الحساب الجاري: 2.6 مليار دولار عام 1990؛ 9.9 مليارات دولار عام 2000؛ 75 مليار دولار عام 2011
إجمالي القروض الأجنبية في الاقتصاد التركي: 50 مليار دولار عام 1991؛ 101 مليار دولار عام 2000؛ 337 مليار دولار عام 2012
القروض بالعملة الأجنبية التي تستحق خلال 12 شهراً (من أيلول 2013): 164 مليار دولار
الناتج المحلي (بحسب القدرة الشرائيّة): 588 مليار دولار عام 2000؛ 780 مليار دولار عام 2005؛ 1116 مليار دولار عام 2010؛ 1333 مليار دولار عام 2011

المصادر: البنك الدولي، المعهد التركي للإحصاء، OECD