علا تصفيق الحضور في المؤتمر الاستثنائي الأول لحزب «العدالة والتنمية» أمس، بعد إعلان أحمد داوود أوغلو رئيساً له، وبالتالي رئيساً للحكومة المقبلة، إيذاناً ببدء مرحلة الرجل الواحد في «تركيا الأردوغانية».

فعلها السياسي المحنك والأكاديمي المولود في قونية، أكثر ولاية محافِظة في البلاد. تردّد اسم داوود أغلو، الذي دخل السياسة عام 2003 عندما عُيِّن سفيراً في عهد آخر رئيس تركي علماني أحمد نجدت سيزار، في كل حديث عن خلافة رجب طيب أردوغان في الحزب والحكومة، لدرجة أن انتخابه أمس جاء خالياً من أي مفاجأة.

تسلّم داوود أوغلو عام ٢٠٠٩ حقيبة وزارة الخارجية في حكومة أردوغان، وشغل منصب مستشاره الخاص، ثم دخل البرلمان نائباً عن قونية في الانتخابات النيابية الأخيرة. يعرف بكونه «مهندس سياسة البلاد الخارجية»، وصاحب نظرية «صفر مشاكل مع الجوار» و«التوجه نحو الشرق والجنوب المسلم بدلاً من الغرب الأوروبي».
يرتبط اسم داوود أغلو بصورة وثيقة بنهج «العثمانية الحديثة». ويوجز محلّلون أتراك رؤيته السياسية للعلاقات مع دول الجوار بمحاولة «إحياء السلطنة العثمانية»، عبر نظام «كومنولثي» حديث. يعرف رئيس الحكومة المكلف بعدائه الحادّ للرئاسة السورية منذ بداية الأزمة، كذلك هو المخطط الرئيسي لتسليح المعارضة وتسهيل عملها داخل الأراضي التركية الحدودية.


داوود أوغلو و«التوجهات التركية»

قد لا تشهد السياسة التركية تبدلات جوهرية في عهد داوود أوغلو. فهو رسم معالمها أصلاً ضمن رؤيته التي عبّرعنها بوضوح في كتابه «العمق الاستراتيجي»، حين أعلن صراحةً «وجوب عودة تركيا إلى ماضيها العثماني واستعادة نفوذها في القوقاز والشرق الأوسط والبلقان، انطلاقاً من موقعها الفريد»، وفيما يفخر مؤيدوه بنجاح سياسته في إعادة تركيا لاعبا سياسيا قويا، ليس فقط إقليمياً بل على الساحة الدولية أيضاً، فإن معارضيه يتهمونه بزجّ البلاد عبر سياسات خاطئة في صراعات مؤذية سياسياً واقتصادياً، إضافة إلى ما يتهم به من مسؤولية مباشرة بشأن تنامي المجموعات المتطرفة. هذا الاتهام عبر عنه زعيم حزب «الشعب الجمهوري»، أهم الاحزاب المعارِضة في البلاد، كمال كيليجدار أوغلو، حين خاطب وزير الخارجية التركي غداة احتجاز «الدولة الاسلامية» ٤٩ رهينة تركية في الموصل العراقية في شهر حزيران الماضي، بالقول «سلمت الرهائن لتنظيم الدولة الإسلامية بيديك (…) قمت بصياغة تنظيم الدولة الإسلامية في شكله الحالي»، مضيفاً «من الغريب جداً أن يكافأ (داوود اوغلو) على ذلك»، لكن تصريحاته أمس بشأن أولوية السعي التركي في المرحلة المقبلة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي قد تغيّر معادلات عدة.

العلاقة بأردوغان


يعتقد داوود أغلو بوجوب عودة تركيا إلى ماضيها العثماني
لم تمثل تسمية الرئيس أردوغان لداوود أوغلو رئيساً للحزب الحاكم أي صدمة. فالرجل الأول في تركيا منذ سنوات، لم يكن ليجد غير مستشاره ووزير خارجيته أهلاً للثقة في هذه المرحلة السياسية الحرجة، التي دخلتها البلاد إبان «الفتور السياسي» بين حليفي الأمس، أردوغان وعبد الله غول. ولم يخيب داوود اوغلو آمال «معلمه» في الخطاب الذي ألقاه بعد تنصيبه رسمياً يوم أمس، حين بدأ كلامه بالسلام على شخصيات دينية وتاريخية وسياسية، وصولاً إلى رجب طيب أردوغان. نال الرئيس المنتخب حصة كبيرة من التحيات والمديح، ما يُعدّ تأكيداً من داوود أغلو على التسليم المطلق بنهج «السلطان الأوحد»، الذي يقوده أردوغان في البلاد.
خطاب الرئيس الجديد للحزب الحاكم لم يتضمّن خطة سياسية موجّهة للخارج ولا حتى برامج اقتصادية واجتماعية للداخل، وهذا الأمر متوقع أيضاً لكون البلاد تتجه إلى إقرار نظام الحكم الرئاسي مع إحكام «العدالة التنمية»، ربما، سيطرته على ثلثي المقاعد النيابية في انتخابات العام المقبل، وهي النسبة المطلوبة لتعديل الدستور.

مستقبل عبد الله غول

في ظلّ الاستحقاقات السياسية المتتالية في تركيا، يبقى السؤال الأهم، بشأن مصير شريك أردوغان السياسي منذ التسعينيات وأحد مؤسسي «العدالة والتنمية»، الرئيس المنتهية ولايته عبد الله غول.
مراسل «صوت أميركا» في تركيا، دوريان جونز، رأى في مقالته، المنشورة قبل يومين، أن أردوغان بات يعد غول منافساً له في مسيرته السياسية، الأمر الذي يهدد بانهيار التحالف السياسي بينهما. ويدعّم جونز رأيه مستشهداً بالحملة الإعلامية الشرسة التي شنتها وسائل إعلام موالية لأردوغان على غول خلال الفترة السابقة، وخصوصاً في الأسابيع الأخيرة، أي منذ انتخابه رئيساً للجمهورية. وبرغم تأييد غول لحليفه في مواجهته للداعية فتح الله غولن، يبدو أن انتقاداته لطريقة التعاطي الحكومي مع الملف السوري، وقرار أردوغان حجب عدد من مواقع التواصل الاجتماعي، كانت من بين الأمور التي كشفت عن الاختلاف في وجهات النظر، على الأقل، بين الحليفين الإسلاميين. وقد يكون ذلك السبب وراء عدم اللجوء إلى سيناريو «بوتين - ميدفيديف» في روسيا. كل هذه الأسباب قد تدفع بالرئيس السابق، بحسب رأي المحللين، إلى إنشاء حزب جديد، في حال عدم إيجاد المكان المناسب له داخل الحزب الحاكم، مستفيداً من معارضي أردوغان داخل «العدالة والتنمية» المنضوين تحت الجناح الإسلامي المحافظ، ومن أتباع غولن كذلك.