هي المرة الأولى التي يلامس فيها حلم الاستقلال الواقع منذ اتحاد اسكتلندا مع لندن قبل أكثر من 300 عام. أكثر من نصف سكان اسكتلندا سيقولون: "نعم للانفصال" في استفتاء الـ18 الشهر الجاري. هذا على الأقل ما تقوله استطلاعات الرأي التي بثت الهلع في صفوف حكومة لندن ودفعت رئيس الحكومة ديفيد كاميرون إلى زيارة ادنبره في محاولة لعكس اتجاه الرياح.

صحيح أن كل ما يجب على الاسكتلنديين فعله هو التصويت بنعم أو لا، ولكن منطق «قل كلمتك وامش» لا يصلح هنا. فتبعات هذا الانفصال لن تكون محصورة في مستوى دون آخر أو في دولة من الدولتين دون الأخرى، بل ستطاولهما معاً.

في تشرين الأول من عام 2012 اتفقت الحكومة البريطانية والحكومة الاسكتلندية على إجراء الاستفتاء على استقلال أسكتلندا قبل نهاية عام 2014، على أن يعقب رجحان كفة التأييد للاستقلال، محادثات تعقد على سنتين لتحديد موعد زمني لبتّ الإجراءات القانونية والمالية العالقة قبل الانفصال التام في عام 2016، ما يعني انتهاء الاتحاد الذي تأسّس بين الدولتين في أيار من عام 1707. وبالتوازي مع الاتفاق على إجراء الاستفتاء، بدأ الحديث فعلياً عن إيجابيات وسلبيات استقلال الإقليم الشمالي للمملكة. ولكن خلال الأسابيع الماضية، انتقل هذا الحديث إلى مستوى التحذير والتخويف، خصوصاً بعدما أظهرت استطلاعات الرأي تحولاً لصالح المعسكر المؤيد لاستقلال اسكتلندا.


استقلال اسكتلندا يساعدها على الانطلاق في السياسة الخارجية


ستشهد المملكة المتحدة تراجعاً في نفوذها الخارجي
وأثارت نتائج هذه الاستطلاعات ذعراً وقلقاً لدى الأوساط الحاكمة في بريطانيا، التي بدأت تلتمس حقيقة أن تفكك المملكة لم يعد بعيداً، ما حدا حكومة ديفيد كاميرون إلى التعهد بتقديم مقترحات لمنح اسكتلندا مزيداً من الاستقلالية إذا قررت البقاء داخل الاتحاد.
إن رغبة الحكومة الاسكتلندية في الانفصال عن المملكة المتحدة، نابعة من طموح للحصول على صلاحيات كاملة في كافة المجالات، فهي حالياً تملك صلاحيات تتعلق بمجالات التربية والصحة والبيئة والعدل، فيما تبقى المسائل المتعلقة بالشؤون الخارجية والطاقة والضرائب والدفاع بيد لندن.
انطلاقاً من هذه المسائل، حاول الحزب القومي الاسكتلندي الذي يدعم ويروّج لمطلب الاستقلال، بقيادة رئيس الوزراء الحالي أليكس سالموند، الحصول على تأييد واسع لبرنامجه الاستقلالي، مروّجاً لمجموعة من الوعود ومستخدماً الحوافز والشعارات الاقتصادية، ومنها فك الارتباط بالقوانين البريطانية والاستقلال المالي عن لندن، وأهمية استئثار اسكتلندا بمعظم احتياطات النفط والغاز في الجزء البريطاني الحالي من بحر الشمال.
ولكن ما هي المقوّمات الداعمة لهذا البرنامج، خصوصاً أن اسكتلندا ستضطر إلى إنشاء عملة مستقلة، الأمر الذي يحتاج قبل أي شيء إلى مصرف مركزي ومؤسسات ضريبية. وحتى الآن، لا تملك أدنبره أيّاً من ذلك، وستكون بحاجة إلى مدة تراوح بين خمس وعشر سنوات لبناء هذه المؤسسات. لذا، إن الحل الوحيد أمامها في حال حصولها على الاستقلال وانضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، سيكون الدخول إلى منطقة اليورو الذي سيشكل البديل الوحيد للجنيه الإسترليني، ما يعني أن التقشف سيأتي من برلين بدلاً من لندن.
ومع ذلك، فإن احتمال استقلال اسكتلندا يثير أسئلة كثيرة تتعلق بالسعي إلى الحصول على العضوية في المؤسسات الإقليمية والدولية كالاتحاد الأوروبي وحلف «شمال الأطلسي» والأمم المتحدة. فمن ناحية، سيوفر الانفصال للإقليم الشمالي، حرية تحديد سياسته الخارجية والأوروبية. ولكن من ناحية أخرى، سيكون بحاجة إلى البنى التحتية المناسبة لوزارة خارجية وسفارات في الدول الأجنبية، إضافة إلى الترتيبات التي تتعلق بسياسته الأمنية والدفاعية الخاصة.
وانطلاقاً من هذه الأساسيات، ستواجه اسكتلندا صعوبات تتعلق بإمكانية انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي والحلف «الأطلسي». فرغم تأكيد رئيس الوزراء الاسكتلندي ألكس سالموند أن دولته لن تضطر إلى التقدم من جديد للحصول على عضوية في الاتحاد الأوروبي، إلا أن هناك من يؤكد عكس ذلك. وبالنسبة إلى هؤلاء، إن الاعتراف بدولة في الأمم المتحدة أقل تعقيداً مما هو عليه الأمر في الاتحاد الأوروبي أو الحصول على عضوية حلف «شمال الأطلسي»، كما أنها لن تحصل على صوت في مجلس الأمن، إلا إذا فازت بانتخابات اختيار العشرة أعضاء المؤقتين، التي تجرى لمدة عامين ولا تمنح تلك الدول حق «الفيتو».
وحتى إن حصلت على عضوية في الاتحاد الأوروبي، لن تتمتع اسكتلندا بحريتها خارج منطقة اليورو أو الشنغن، الأمر الذي كان متاحاً أثناء وجودها كجزء من المملكة المتحدة.
وأفاد تقرير نشرته لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان البريطاني في نيسان 2013، بأن استقلال اسكتلندا سيكون له تأثير في السياسة الخارجية والاستراتيجية العالمية والوضع القانوني وغيرها من المسائل. والخلاصة التي توصل إليها هذا التقرير هي أنه ستكون هناك شكوك ومشاكل مرتبطة بهذا الاستقلال في دول كثيرة من الاتحاد الأوروبي. وفيما لفتت اللجنة إلى أن النفوذ البريطاني سيبقى في الصدارة أمام الرأي العام العالمي، إلا أنها أشارت إلى أنه سيكون على اسكتلندا أن تبدأ من جديد.
لكن في مقابل ذلك، من شأن استقلال اسكتلندا أن يساعدها على تحديد أولوياتها في الشؤون الخارجية والدبلوماسية، التي قد لا تتناسب مع المملكة المتحدة. فعلى سبيل المثال، قد يحول الاستقلال دون المشاركة الاسكتلندية في الحملات العسكرية، ومثال على ذلك التدخل الذي قادته الولايات المتحدة في العراق في عام 2003 الذي اعتبرته أدنبره مخالفاً للقانون الدولي.
وفي ما يتعلق بطبيعة العلاقة مع حلف «شمال الأطلسي»، فإن الحزب القومي الأسكتلندي الذي يدعم الانفصال، لطالما عارض الانضمام إلى هذا الحلف الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة. ورغم هذا الاعتراض، إلا أن من الخطط المقترحة، هي أن تصبح اسكتلندا عضواً محايداً وشريكاً للحلف، مثل السويد وفنلندا وإيرلندا، على أن تتعاون معه في قضايا تتعلق بالدفاع.
لكن في مقابل ذلك، ستخسر اسكتلندا، تلقائياً، الدعم البريطاني في القضايا المتعلق بالتبادل الثقافي والتجاري مع أوروبا وأميركا وآسيا، وحتى مع دول «البريكس»، حيث طالما استخدمت بريطانيا صلاتها وعلاقاتها، في خدمة المصلحة الاسكتلندية.
على الجانب الآخر، لا بد من الحديث عن مكانة بريطانيا في المجتمع الدولي، في ظل استقلال إقليمها الشمالي. فأعضاء لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان البريطاني، رأوا في تقريرهم أن مكانة «ما تبقى من المملكة المتحدة» في المؤسسات الدولية، لن تبقى من دون تغيير.
ولكنهم لفتوا في الوقت ذاته، إلى أنه سيكون هناك تحدّ أمام وضع بريطانيا كعضو دائم في الأمم المتحدة ومجلس الأمن. وفي ما يتعلق بالعلاقة مع الاتحاد الأوروبي، فقد أشاروا إلى أن المملكة المتحدة ستواجه تعديلات تؤثر في عضويتها الحالية. فهذه الأخيرة رغم عدم انضمامها إلى منطقة اليورو، إلا أنها واحد من اللاعبين الأساسيين في المجلس الأوروبي، حيث تملك بفضل عدد سكانها، الحق في التصويت مثلها مثل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا أي من خلال 29 صوتاً. أما اسكتلندا المستقلة، التي يبلغ عدد سكانها خمسة ملايين نسمة، في ظل القواعد الحالية، فسيكون لها سبعة أصوات فقط، وهو العدد المماثل لإيرلندا وليتوانيا وسلوفاكيا.
لكن التأثير في بريطانيا سيكون أعمق مما هو ظاهر، لناحية أن هذه الدولة لن تعود من ضمن الدول الثلاث الكبرى في الاتحاد الأوروبي إلى جانب ألمانيا وفرنسيا، إذ من المتوقع أن تنخفض إلى المرتبة الرابعة بعد إيطاليا، بناءً على عدد سكانها. وبالتالي يمكن أن تواجه انحساراً في تأثيرها بين مؤسسات الاتحاد الأوروبي وعلى مستوى علاقاتها الثنائية مع دول الاتحاد. كذلك يمكن أن تخسر بريطانيا من نفوذها أمام الولايات المتحدة، في حال تراجُع قدرتها على التأثير في صناعة القرار في الاتحاد.
وأيضاً، مع انخفاض مساحتها وعدد سكانها والناتج المحلي الإجمالي، ستجد المملكة المتحدة نفسها أمام خيار «تقليص» أو «تراجع» سياستها الخارجية والدفاعية. وإن كان هذا التقليص في مجال السياسة الخارجية والبنية التحتية للأمن والدفاع، سيشكل خياراً صعباً، إلا انه سيشكل أولوية في سلّم الإنفاق.
بناءً على ذلك، إن نفوذ المملكة أمام الدول الأجنبية، سيظهر على أنه آخذ في الانحدار، وبالتالي قد يتطرق البعض إلى وضع المملكة المتحدة في مجلس الأمن، الذي قد يكون مشروطاً بسلامة ترسانتها النووية، خصوصاً في ظل وجود الغواصات النووية البريطانية بشكل أساسي في اسكتلندا.
فمنذ وقت قريب، برز تهويل رئيس وزراء بريطانيا الأسبق جون ميجور، وتحذيره من أن المملكة قد تكون مضطرة إلى ترك مقعدها في مجلس الأمن، إذا ما جاءت نتيجة الاستفتاء مؤيدة لاستقلال اسكتلندا. لكن في مقابل ذلك، خرجت نظرية أخرى تعتبر أن بريطانيا ستكون دولة وريثة، نشأت بعد تفكك كيان أكبر كانت تنتمي إليه. وأوضحت هذه النظرية أن بريطانيا ستظل ممنوحة حق نقض قرارات مجلس الأمن «الفيتو»، الذي تشترك فيه مع الولايات المتحدة وفرنسا وروسيا والصين، حتى وإن بدت لوحة الاسم على الطاولة المكتوب عليها «المملكة المتحدة» مجازية.
وهنا تجدر الإشار إلى سابقة مهمة في هذا الإطار، هي تفكك الاتحاد السوفياتي الذي احتفظت على إثره موسكو بمقعدها في مجلس الأمن.




حملة الاستفتاء تحوّل تركيزها إلى غلاسكو

استقبلت غلاسكو المدينة الأكبر في اسكتلندا من حيث عدد السكان، أمس، قادة الموالين والمعارضين للانفصال عن بريطانيا، فيما أعرب زعيم الانفصاليين أليكس سالموند عن ثقته بالفوز في الاستفتاء الذي سيجري بعد ستة أيام.
وخرج الوزير الأول في اسكتلندا سالموند إلى الشوارع تحت سماء المدينة الغائمة برفقة الممثل بيتر مولان، وانتقد ما وصفه بـ«التكتيكات السلبية» لمعسكر رفض الاستقلال.من جهة أخرى، أعرب سالموند عن ثقته، وقال: «أنا أكثر ثقة الآن من أي وقت آخر بأن شعب اسكتلندا سيقول نعم للاستفتاء»، بحسب ما كتب في صحيفة ديلي ريكورد. وكتب سالمون: «بالطبع حان الوقت لوداع الأيام التي تتخذ فيها القرارات المتعلقة بحياتنا من حكومات ويستمينستر البعيدة». وأضاف: «لا أحد في معسكر «النعم» يقول إن الاستقلال سيكون عصا سحرية. لأنه ليس كذلك. بالطبع سنواجه تحديات ولن ننجح بين ليلة وضحاها».
(أ ف ب)