51% من أبناء اسكتلندا يؤيدون الاستقلال عن المملكة المتّحدة. برمشة عين انقلبت الموازين في الجزيرة البريطانية. الاستطلاع نُشر قبل عشرة أيام على الاستفتاء الذي يُنظم في 18 أيلول. إذا تحولت الأرقام إلى واقع سيكون يوماً تاريخياً لأمّة صغيرة، إنما ذات جذور عميقة في أوروبا وعلاقات متضاربة مع العرش منذ القرون الوسطى.

قد تكون قصّة ويليام والاس من أقل الروايات دقة لدى اقتباسها سينمائياً. رغم ذلك، حقّق الفيلم الشهير «القلب الشجاع» (Braveheart)، الذي يروي مسيرة هذا الشاب الاسكتلندي الثائر على ظلم إنكلترا، نجاحاً باهراً وجعل من الممثل المخرج، ميل غيبسون، نجماً على مستوى آخر.
بعد سبعة قرون ونصف قرن تقريباً على تلك الأحداث التاريخية، تقف اسكتلندا مرّة جديدة في المربع الذي وضعها فيه والاس – وإن افتراضياً – في السابق. هذه المرّة، المعركة لنيل الاستقلال ليست بالحديد والنار والدماء بل بأصوات أبناء البلد الأوروبي، الذي لم تفارقه يوماً نزعة الانفصال عن المملكة المتّحدة.

تضم هذه المملكة ثلاثة بلدان أخرى هي: إنكلترا، ويلز، وإيرلندا الشمالية. غير أن اسكتلندا تُعدّ ذات وضع خاص، جغرافياً، هي تمثّل الثلث الشمالي للجزيرة البريطانية، وهي نشأت كدولة مستقلة في بدايات القرون الوسطى قبل أن تنضوي تحت اللواء البريطاني عام 1707.
هذه الوضعية وإن تفرض ولاءً للندن، أتاحت لاسكتلندا استقلالاًً قضائياً وعلى مستوى المؤسسات الدينية والتربوية. وقد حفظ هذا الواقع للبلاد خصوصيتها الثقافية. خصوصية يريد الحزب الوطني، الذي فاز بغالبية برلمانية قبل ثلاث سنوات، تعزيزها وتطويرها إلى استقلال شامل، يتم التصويت عليه في 18 أيلول، وقد يُصبح واقعاً قائماً في عام 2016، وإن كان هذا التاريخ طموحاً جداً.
يعيش في اسكتلندا أكثر من 5.3 ملايين نسمة، أي العدد نفسه تقريباً لسكان لبنان. غير أنّ اقتصادها يفوق 200 مليار دولار ومساحتها تتخطى 78 ألف كيلومتر مربع، ما يعادل أربعة أضعاف وسبعة أضعاف المعطيات اللبنانية.
لدى وضع هذه الأرقام في إطارها الصحيح، ودراستها في وضعين - ما قبل الاستقلال وما بعده – يمكن بناء الحجج المختلفة التي تؤيد أو تعارض إكمال الطريق كأمة منفصلة.
في البداية، الموضوع الأهمّ هو الشق التقني والاقتصادي والعسكري، الذي يربط البلاد بالمملكة؛ هنا، التحليلات كثيرة. بعدما اتضح أنّ الاستقلال قد يُصبح واقعاً قائماً بين ليلة وضحاها، رفعت لندن سقف التحذيرات عبر حاكم البنك المركزي، مارك كارني، الذي جزم بأنّ الوحدة النقدية التي يضمنها الجنيه الاسترليني، ستكون مستحيلة عملياً إذا استقلت اسكتلندا.
ضمان الوحدة في حالة الاستقلال يفرض توقيع اتفاقات تتعلق بالقوانين الضريبية والمصرفية، إضافة إلى التوافق على معايير خاصّة بالإنفاق العام. والأحزاب السياسية الرئيسية في بريطانيا ترفض هذا الوضع.
يُعدّ السلاح النقدي، إضافة إلى الحركة السياسية التهويلية من الانفصال، ورقة قوية في يد السلطة المركزية التي تطرح اليوم نوعاً من التسوية، عبر منح المزيد من الصلاحيات للعاصمة إدنبرغ، لاحتواء المد الاستقلالي.


يظهر التهويل المالي استفزازياً ويشدّ عصب بلاد الويسكي حول الانفصال

يردّ الاستقلاليون على هذا التهديد بإمكان الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، والتحوّل إلى اليورو. وفي نهاية المطاف نقل ارتهانهم البيروقراطي من لندن إلى بروكسل!
ولكن عموماً، يُركز الاستقلاليون على الصورة المكبرة لإقناع أبناء بلادهم بالتصويت بـ«نعم». برأيهم يُمكن أن تتحمل البلاد كلفة الانفصال عن المملكة. يقول هذا المخيم، الذي بقي حتى الفترة الأخيرة متأخراً في التأثير على الرأي العام، إن البلد الشمالي يملك مقوّمات اقتصادية تمكّنه من الصمود بل حتّى الازدهار بعيداً عن نفوذ العرش وربما دعمه.
يُشير هذا المخيم في إعلان مصوّر لمناصرة قضيته إلى قوّة الاقتصاد الاسكتلندي: قطاع المطاعم والحانات يبلغ حجمه 13 مليار جنيه؛ السياحة عشرة مليارات جنيه؛ الجامعات الاسكتلندية تقود العالم، والصناعات الحديثة تزدهر؛ تتمتع البلاد بثروات بحرية وموارد هوائية في كلّ أوروبا.
كلّ ذلك من دون النفط والغاز الكامن في بحر الشمال، والذي سيكون لاسكتلندا حرية التصرف به بعيداً عن أنف لندن. اجمع كلّ هذه المعطيات وتكون اسكتلندا أحد أغنى عشرين بلداً في العالم، يزعم الاستقلاليون.
«تخيلوا فقط ما يمكننا فعله بثرواتنا الواسعة ومواردنا الغنية» يقول الفيلم القصير الذي يتضمن مشاهد من طيبعة اسكتلندا الأخاذة. «يُمكننا صوغ السياسات لتوليد مزيد من الوظائف وتطوير نظام رعاية للأطفال لإعادة الإناث إلى سوق العمل، يُمكننا خلق فرص جديدة للأجيال المقبلة، تحسين أوضاع المتقاعدين وبناء أمّة أكثر ازدهاراً وفخراً».
فعلاً، تُظهر استطلاعات الرأي أنه خلال الفترة الأخيرة ارتفعت نسبة تأييد الاستقلال بأكثر من عشر نقاط مئوية في صفوف النساء. وقد يكون صوت نساء اسكتلندا العامل الحاسم في الاستفتاء المقرر.
وقد ساهم هذا النمط، مع عوامل أخرى، في تخطي نسبة مؤيدي الاستقلال عتبة الـ 50%، وفقاً لاستطلاع للرأي أجرته شركة YouGov ونشرته صحيفة «صانداي تايمز». ما يعكس انقلاباً بواقع 22 نقطة مئوية لصالح الاستقلاليين خلال شهر واحد فقط.
غير أنّ المرحلة الوردية التي يعد بها الاستقلاليون قد لا تكون مستقرة إلى هذا الحد. صحيح أن إيرادات الموارد النفطية ستتحول فوائض سخية يُمكن استغلالها للاستثمار، إلا أنّ استدامة إدارة البلاد الاقتصادية غير مضمونة وفقاً لبعض التحليلات الرافضة للانفصال. يُشير أصحابها إلى أنّ غالبية الشركات المهمة العاملة في اسكتلندا تبحث في كيفية نقل أعمالها من ادنبرة إلى لندن.
هذا التهويل المالي والاقتصادي الذي يظهر كأنه استفزاز اللحظات الأخيرة يبدو أنه يشد عصب البلد المشهور بمشروبه الروحي – الويسكي – حول الخيار الانفصالي. تماماً كما تضخم غضب ويليام والاس واشتعلت ثروته مع ازدياد ظلم العرش البريطاني.