يوم تاريخي مرّ على المملكة المتحدة أمس تداعياته يفترض أن تكون بدأت فجر اليوم مع إعلان نتائج الاستفتاء الذي شهدته اسكتلندا على انفصالها عن لندن. استفتاء وضع فيه الأسكتلنديون حداً للنقاش الذي أثير حول استقلال دولتهم، وحددوا من خلاله مصير اتحادهم مع بريطانيا الذي بدأ منذ 307 أعوام. أمس قرروا ما إذا كانوا يريدون البقاء ضمن هذا الاتحاد أم لا واختاروا بين «القلب أو العقل»، في خطوة تبدو فيها ادنبره رابحة في كلا الحالين: إن انفصلت تكون قد حققت طموحها التاريخي، وفي حال بقيت ضمن الاتحاد تكون قد أفلحت في الضغط على لندن لانتزاع المزيد من الحكم الذاتي.


الناخبون الأسكتلنديون، تدفقوا بكثافة إلى صناديق الاقتراع، فمن المرتفعات والجزر النائية في أسكتلندا إلى أحياء غلاسكو، انقسم السكان بالتساوي في شأن تصويت تابعه عن كثب حلفاء بريطانيا والمستثمرون والمناطق المضطربة في الداخل والخارج. استطلاعات الرأي الأخيرة توقعت تقدماً طفيفاً لمؤيدي بقاء اسكتلندا في المملكة المتحدة، بينما تراوحت نسبة المترددين التي يمكن أن ترجح الكفة بين 4 و14 في المئة. ودعي حوالي 4,29 مليون ناخب (فوق 16 عاماً) بينهم 600 ألف سبق وأدلوا بأصواتهم عبر البريد، إلى صناديق الاقتراع، التي شهدت نسبة مشاركة كثيفة يفترض أن تصل إلى 80 في المئة.

سالموند: فرصة حياة فلنتلقفها بأيدينا وهذا أضخم مهرجان ديموقراطي



وخلال إدلائه بصوته في دائرة ستريتشن الزراعية، صرّح زعيم الاستقلاليين ورئيس الوزراء الأسكتلندي أليكس سالموند، بأنها «فرصة حياة، فلنتلقفها بأيدينا». وقال إنه «أضخم مهرجان ديموقراطي» على الإطلاق ينظم في أسكتلندا التي تبدل وضعها حوالي عشر مرات في 1400 عام من التاريخ المضطرب، في وقت أبدى فيه رئيس الوزراء البريطاني السابق الأسكتلندي غوردون براون، حماساً مشابهاً في مسقط رأسه في غلاسكو، لكن لصالح رفض الاستقلال. وندّد بقومية «ضيّقة الأفق» وأنانية تؤدي إلى التقسيم.
وكانت الحملة بين المؤيدين للاستقلال والمعارضين له قد شهدت منافسة حادة، خلال الأسبوعين اللذين سبقا موعد الاستفتاء عندما أظهرت استطلاعات الرأي تقارباً بين حظوظ الطرفين، واحتمال أن تُحسم النتيجة لأي منهما بفارق ضئيل.
وخلال هذه الفترة، شدّد الداعون الى الاستقلال، بقيادة سالموند، على أن الفرصة المتاحة أمام سكان المقاطعة، هي الوحيدة لاستعادة سلطتهم في خلق فرص العمل، وحماية النظام الصحي، والتخلص من سياسات التقشف والخصخصة التي تمارسها الحكومة المركزية في لندن.
أما المعارضون، ومن بينهم رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون وشريكه في الائتلاف زعيم الديموقراطيين الأحرار، وزعيم حزب «العمال» المعارض وعدد من قادة أركان الجيش وكبار رجال الأعمال والشركات وأرباب الصناعة البريطانيين، فرأوا في خيار انفصال اسكتلندا كارثة سياسية واقتصادية غير مسبوقة. وحذروا من أن الاستقلال يمثل خطراً محدقاً بالمملكة المتحدة قد يأتي على مكوناتها ومكانتها بين دول العالم.
ودفع احتمال انفصال اسكتلندا عن المملكة المتحدة، سادس أكبر اقتصاد في العالم والعضو الدائم في مجلس الأمن الدولي، المواطنين والحلفاء على حد سواء، إلى التساؤل عن التبعات بينما حذّرت المؤسسات المالية في حي المال في لندن من حدوث اضطرابات في السوق. فبريطانيا ستخسر ٣٢ في المئة من أراضيها و٨ في المئة من سكانها وستنخفض صادراتها بنسبة ٧ في المئة. وفي مقابل ذلك، فإن اسكتلندا تمتلك خيرات هائلة، لعل أبرزها ٩٠ في المئة من احتياطي النفط والغاز في الاتحاد الأوروبي.
بل أكثر من ذلك، وعلى ما توقع رئيس الوزراء البريطاني الأسبق جون ميجر، فمن «المرجح أن تخرج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وتخسر مقعدها الدائم في مجلس الأمن في حال تم التصويت لصالح انفصال اسكتلندا». كان حاسما في التأكيد على أن استقلال اسكتلندا فيه إضعاف لدور بريطانيا في العلاقات الدولية، والمنظمات الدولية مثل حلف شمال الأطلسي، «وحتى أنه سيؤثر سلبياً على علاقات بريطانيا مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي».
غوردون براون ندّد بقومية ضيّقة الأفق وأنانية تؤدي إلى التقسيم
هناك أيضاً من يتوقع، في حال الانفصال، أن تثير دول مثل الصين وروسيا وربما ألمانيا مسألة أحقية بريطانيا في الاحتفاظ بموقعها كعضو دائم في مجلس الأمن، رغم تأكيد آخرين أن هناك من يشير إلى سابقة على هذا الصعيد وهي احتفاظ روسيا بمقعدها في مجلس الأمن بعد تفكك الاتحاد السوفياتي، وهؤلاء يعتبرون أن بريطانيا ستحتفظ أيضاً بمقعدها مع لوحة على الطاولة مكتوب عليها «المملكة المتحدة» ولكن غير معبرة عن الواقع.
وعلى هذا الأساس أيضاً، كان الموقف الموحّد الذي أصدرته الأحزاب البريطانية الثلاثة الكبرى، الثلاثاء الماضي، من خلال بيان رسمي مشترك، يعد الأسكتلنديين بتوسيع الحكم الذاتي لمنطقتهم في حال صوتوا لرفض الاستقلال، من خلال صلاحيات ضريبية إضافية.
أما على مستوى السياسة الداخلية، فقد اعتبر المحلّلون أنه في حال فوز معسكر الاستقلال، ستطرح أمام كاميرون ثلاثة خيارات: الدعوة إلى انتخابات عامة مبكرة بدلاً من أيار 2015، أو الاستقالة، أو طرح تصويت على الثقة في البرلمان. وسيؤدي فوز الاستقلاليين إلى فتح مفاوضات شاقة تستغرق 18 شهراً بين لندن وأدنبره لتحديد أطر الدولة الجديدة حتى إعلان الاستقلال في 24 آذار 2016.
خطوة الاستقلال، في حال حصلت، يقول البعض أنها لن تحقق آمال الأسكتلنديين في الاحتفاظ بالجنيه عملة، وبالملكة، وبعضوية الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي. دول أوروبية كثيرة تخشى من تفاقم النزعات الاستقلالية الأخرى التي تشهدها أقاليم أوروبية أخرى ككاتالونيا في إسبانيا والفلامان في بلجيكا.
ولكن أياً كان الخيار الذي صوت الاسكتلنديون لصالحه، فإن العلاقة بين اسكتلندا والمملكة المتحدة ستتخذ شكلا آخر. كما أن تداعيات الاستفتاء السياسية ستخلف آثارا كبيرة ومضاعفات قد تطال رئيس الوزراء وحكومته. فاحتمالات انفصال اسكتلندا قبل الاستفتاء أحدثت هزة قوية، وهددت المكانة السياسية للمملكة المتحدة بين دول العالم.
وعلى هذا الأساس، وحّد السياسيون البريطانيون والبنوك ورجال الأعمال صفوفهم ليحذروا من المصاعب الاقتصادية والوظائف التي ستضيع وانتقال رؤوس الأموال إذا قرر الأسكتلنديون الاستقلال. فالدفاع سيكون موضع التساؤل الأكبر، حيث تقع ترسانة نووية بريطانية تحملها الغواصات في أسكتلندا، وهي جزء من دفاعات حلف «شمال الأطلسي».وفي هذا السياق أيضاً، كانت الولايات المتحدة قد أوضحت أنها تريد أن تبقى المملكة المتحدة حليفها الرئيسي في أوروبا، موحدة. كما حذّر زعماء أوروبا من أن استقلال أسكتلندا سيجعلها بحاجة للتقدم بطلب جديد للانضمام مرة أخرى للاتحاد الأوروبي، حيث قد تواجه معارضة.وأيا كانت النتيجة أيضا، لا شك في أن سالموند البالغ 59 عاماً خرج منتصراً وسيكافأ في أفضل الأحوال بالاستقلال وفي أسوأها بمزيد من الاستقلالية. وفي مقابل ذلك، سيتساءل الكثير من البريطانيين لماذا فشلت السياسات الحكومية في إبعاد خطر انفصال اسكتلندا وانتظرت حتى اللحظة الأخيرة لتقديم عروض سخية، أملا في أن يرضى الاسكتلنديون بالبقاء ضمن المملكة المتحدة؟
(الأخبار)




النتائج صباح اليوم

بعد التأكد من فرز الأصوات وحسابها، يرسل المشرف على الفرز في كل مركز نتائجه إلى المشرفة العامة ماري بيتكيثلي في إدنبره. وعندما تكتمل نتائج جميع المراكز، تعلن بيتكيثلي نتائج الاستفتاء.
وقالت المشرفة العامة على عملية التصويت إنها ستعلن النتائج النهائية صباح اليوم الجمعة.
وكانت نتائج الانتخابات البرلمانية البريطانية عام 2010 ونتائج انتخابات برلمان اسكتلندا عام 2011 قد أعلنت في التوقيت نفسه.
ونظراً إلى العدد الكبير للمسجلين الذي تجاوز الأربعة ملايين، اتخذت الهيئة المشرفة على الاستفتاء إجراءات لتجنب الطوابير الطويلة أمام مكاتب التصويت.
وكان من المتوقع أن يتسبب سوء الأحوال الجوية بتأخر وصول صناديق الاقتراع من المناطق النائية، وبالتالي تأخر الإعلان عن النتائج.
وتستخدم الطائرات العمودية والبواخر لنقل صناديق الاقتراع من بعض المناطق.
«الأخبار»