توافق الحد الأدنى، روسي ـ أميركي، ظهر جزئياً في باريس يوم أمس بالتوازي مع اجتماع ضم قادة عسكريين في 21 دولة مشاركة في "التحالف الدولي" المزعوم ضد "داعش"، وترافق مع ارتفاع الحديث أخيراً عن إقامة منطقة عازلة في الشمال السوري واحتمال دخول قوات تركية برية إلى تلك المنطقة.

وعقب اجتماع استمر لنحو ثلاث ساعات جمع وزير الخارجية الأميركي جون كيري بنظيره الروسي سيرغي لافروف، أعلن كيري أنه قرر ونظيره الروسي "تكثيف" تبادل المعلومات الاستخبارية حول تنظيم "داعش". وفي مؤتمر صحافي أعقب اللقاء، قال إنه "اقترح" على نظيره الروسي "تكثيف التعاون في مجال الاستخبارات" في مواجهة التنظيم المتطرف، مضيفاً "توافقنا على القيام بذلك". وأضاف كيري "توافقنا معاً" على أن "داعش... لا مكان له أبداً في القرن الحادي والعشرين... لا يمكن لأي بلد متحضر أن يتنصل من مسؤوليته في مواجهتها".
وأوضح كيري أنه بحث أيضاً مع لافروف إمكان "ان تبذل (روسيا) مزيداً من الجهد لدعم قوات الامن العراقية"، ناقلاً عن الوزير الروسي ان بلاده "مستعدة للمساعدة"، وسبق ان زودت هذه القوات أسلحة وهي مستعدة كذلك لتدريبها وتقديم استشارات اليها. وجاء الحديث عن العراق في وقت ذكّرت فيه وزارة الدفاع الاميركية، أمس، بأن تنظيم "الدولة الاسلامية" يتحرك بحرية في محافظة الانبار ويزيد الضغوط على قوات الحكومة العراقية، برغم شهرين من الغارات الاميركية على مواقع التنظيم.

مسؤول روسي: الغرب يختلق الذرائع للضغط على روسيا

وفي نقطة مهمة مرتبطة بتطورات الديناميكية الداخلية لـ"التحالف"، أعلن كيري أنه "لا تناقض" بين الولايات المتحدة وتركيا بخصوص استراتيجية محاربة مقاتلي "داعش"، مضيفاً أن أنقرة ستحدد دورها وفقاً لجدولها الزمني الخاص بها.
وفي ما له علاقة بنقاط اشتباك أخرى كثيرة بين موسكو وواشنطن، أكد وزير الخارجية الاميركي ان القوات الروسية تنسحب من اوكرانيا ومن المنطقة الحدودية. وقال، غداة اعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين انسحاباً للقوات الروسية المنتشرة على الحدود مع اوكرانيا، ان "القوات تنسحب وينبغي أيضاً سحب السلاح الثقيل ويجب تأمين الحدود ومراقبتها". لكن كيري طالب بوقف القصف حول مطار دونيتسك في شرق اوكرانيا وسحب القوات والاسلحة الروسية، وقال "يجب ان يتوقف القصف حول مطار دونيتسك ويجب سحب القوات والاسلحة الاجنبية والافراج عن جميع الرهائن"، مشدداً على "وجوب استعادة السيادة على طول الحدود بين اوكرانيا وروسيا".
على صعيد آخر، أبدى وزير الخارجية الأميركي اعتقاده بأن التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن البرنامج النووي الإيراني بحلول الموعد النهائي المحدد بيوم 24 من تشرين الثاني سيكون أمراً بعيد المنال. لكنه أشار الى أن الكثير من القضايا ما زال بحاجة الى حل.
من جهته، قال وزير الخارجية الروسي إن بإمكان روسيا والولايات المتحدة "التعاون بصورة أكثر فعالية في مكافحة الإرهاب". وأضاف "هناك فهم للدور الخاص الذي تلعبه روسيا والولايات المتحدة في الجهود الدولية الرامية إلى حل مشاكل كافة الشعوب والدول بلا استثناء".
وأوضح لافروف أن "هناك مجموعة من المسائل بإمكاننا التعاون فيها بشكل أكثر فعالية وذلك لرفع مستوى تأثير المجتمع الدولي وحل المشاكل، وفي طليعتها الإرهاب الذي يغدو خطراً محدقاً في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا".
وفي سياق منفصل، أعلن أن على الولايات المتحدة أن تستغل نفوذها لدى سلطات كييف لضمان تطبيقها "اتفاقيات مينسك" بشأن حل الأزمة الأوكرانية، مؤكداً أن كيري قد شاطره هذا الموقف. وأضاف لافروف أن الاتفاقيات التي تم التوصل إليها بين طرفي النزاع الأوكراني في العاصمة البيلاروسية مينسك في 5 أيلول الماضي، تقضي باتخاذ جميع الخطوات المؤدية إلى حل النزاع، ابتداءً من وقف إطلاق النار إلى بدء الحوار السياسي.
وأتى اللقاء الروسي ـ الأميركي في وقت أعلن فيه أمين مجلس الأمن الروسي، نيكولاي باتروشيف، أنه "لو لم تكن الكارثة الأوكرانية، لجرى التذرع بسبب آخر لتمرير سياسة ردع روسيا". وأضاف باتروشيف، في حديث إلى "روسيسكايا غازيتا"، "هذا المنحى في التعامل صار له عشرات السنين، يتغير فقط التكتيك والطريقة في تنفيذه".
وأعاد باتروشيف إلى الأذهان المواجهة التي نشأت عقب الحرب العالمية الثانية بين الاتحاد السوفياتي والغرب بقيادة الولايات المتحدة والتي استمرت لفترة طويلة وحتى بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، مشيراً "إلى توقف العمل بمعاهدة وارسو من دون توقفه في حلف الناتو، لا بل بدأ يتوسع شرقاً".
وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد انتقد يوم أمس المنظمات الحقوقية الدولية لعدم اهتمامها بما يحدث في شرق أوكرانيا. وقال بوتين، في جلسة لمجلس حقوق الإنسان التابع للرئاسة الروسية، إن "العديد من المنظمات الحقوقية الدولية تغمض عيونها عما يجري، وتشيح بوجهها إلى البعيد نفاقاً".
وانتقد الرئيس الروسي بشكل خاص تغاضي المنظمات الحقوقية عما يحدث في الحملة الانتخابية الحالية في أوكرانيا، متسائلاً "وماذا يحدث الآن أثناء الحملة الانتخابية؟ هذا أيضاً حق منتخب. هل نحن لا نبصر أم ماذا؟ ضرب المعارضين في كل خطوة، وإهانتهم. أي نوع من الديموقراطية هذه التي تغرس في هذه المنطقة؟".
وأشار بوتين إلى أن "هناك انتهاكات كثيرة للمواد الثالثة والرابعة والخامسة والسابعة والحادية عشرة من الإعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر عن الأمم المتحدة في عام 1948، إضافة إلى المادة الثالثة من اتفاقية منع جرائم الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها الصادرة في 9 كانون الأول عام 1948". كذلك لفت إلى اتباع معايير مزدوجة في تقييم الجرائم ضد المدنيين في جنوبي شرقي أوكرانيا، حيث يتم "انتهاك الحقوق الأساسية للإنسان، ألا وهي حق الحياة والحرمة الشخصية. ويتعرض الناس هناك للتعذيب وأنواع العقوبة التي تهين الكرامة الإنسانية، والتمييز وأحكام قضائية غير عادلة بحقهم".
(الأخبار، أ ف ب، رويترز)