هذا الإلغاء لتاريخ وثقافة الشعوب ما قبل "الاكتشاف" ليس حكراً على القارة الأميركية. فالأوروبيون ينظرون إلى العالم من خلال عيونهم المتعالية التي لا تَرَى تاريخ مَن يقلهم شأناً أو ثقافته. حتى اليوم، يمكن الأوروبي (بامتداده الشمال أميركي وأفواج المتأوربين) أن يسمي من الأخوات كارداشيان أكثر من قدرته على استذكار أسماء رؤساء دولة عظمى كالصين.


طبعاً، هذا التعالي يولد جهلاً، وما هي إلا مسألة وقت حتى يفتك الجهل بالمتعالي. لكن فلنعد إلى "اكتشاف" أميركا. كولومبس (وهو الاسم المؤنكل للرحالة الإيطالي) كان في بعثة ملكية إسبانية، وبعد الاكتشاف جاء الاستعمار الإسباني، ثم تبعه البرتغالي والفرنسي والهولندي والإنكليزي والألماني، وأزهق ما أزهق من أرواح، وجنى ما جنى من موارد أغنت القارة العجوز على حساب القارة الناشئة.
جنوب القارة المستعمرة انتفض على مراحل، وبرز من المحررين سيمون بوليفار وخوسيه سان مارتين ومانويل بلغرانو وخوسيه أرتيغاس وتوباك أمارو الثاني، لكن بقي للإسبان نفوذ لغوي وثقافي وسياسي، وإن كان في تلاشٍ مستمر.
أراد المستعمر الإسباني أن يُديم هذا النفوذ ويمنّن الشعوب التي اكتشفها وأعلن في عام ١٩١٣ يوم ١٢ أكتوبر يوم العِرق؛ و"العرق" بتعريف العرش الإسباني هو المزيج الذي نتج من اختلاط الغزاة الإسبان بالسكان الأصليين من مايا وازتيك وإينكا وغواراني وشيروكي وأباتشي، مع تجاهل تام للتاريخ الدموي لهذا الاختلاط. باختصار، العيد هو مصمّمٌ لكي يحمد سكان القارة الأصلوين الرب والملك أن الجنس الأوروبي اكتشفهم وأغنى عرقهم. النسخة الشمال أميركية للعيد سُمّيت بيوم كولومبس، ويحتفل به في ثاني اثنين من شهر أكتوبر. يوم كولومبس يوم بريء يحتفي بالمكتشف. في مدينة ميامي مثلاً يحيي أغنياء المدينة الاحتفالية على قواربهم الشراعية ويخوتهم في عرض البحر قبالة شواطئ "العالم الجديد". لا ذكر للقتل والنهب والشفط الذي أعقب الاكتشاف. الأمر نفسه ينطبق على يوم "شكر العطاء" الاستعماري بامتياز، الذي يحتفل بِه الناس "الكول" في بيروت بأكل "التركي".
هذا الأسبوع تحتفل الولايات المتحدة الأميركية بيوم كولومبس. لكن بعض مدنها قد خرج عن الإجماع. فهذا العام، قررت مدينتا مينيابوليس وسياتل إعادة تسمية اليوم بيوم الشعوب الأصلية.
في جنوب القارة، التحرر من إرث الاستعمار متقدّم على الشمال بأشواط. منذ عام ٢٠١٠ باتت الأرجنتين تحتفل بـ"يوم التنوع الثقافي". بوليفيا سمّته في ٢٠١١ "يوم إزالة الاستعمار". في الألفين أعادت تشيلي تسمية اليوم "يوم تلاقي العالمين". في كوستاريكا اسمه "يوم الثقافات" منذ عام ١٩٩٤. كوبا لا تعترف بهذا العيد أصلاً. بيرو تحتفل بـ"يوم الشعوب الأصلية والحوار الثقافي". الأوروغواي نعتته بـ"يوم الأمريكتَين". أما نيكاراغوا والرفيق تشافيز في فنزويلا فسمّوه "عيد مقاومة الشعوب الأصلية".
هذه الكلمة تحديداً تغيظ المستعمر. قد يقبل بكلمة "تحرير" على مضض، فالتحرير قد يصبح اكتشافاً مع الوقت، وتُعاد تسمية العيد باسم المكتشف. في لبنان قد يصبح عيد كهذا "عيد سعيد" مثلاً.