أقفلت وكالة التنمية الأميركية «usaid» مكاتبها في الإكوادور بعد ٥٣ عاماً على تأسيسها. في كانون الأول من عام ٢٠١٣ قررت حكومة الإكوادور منع الوكالة من إطلاق أي مشاريع جديدة في البلاد. السبب هو تدخل الوكالة في الشؤون السياسية الداخلية تحت شعار نشر الديموقراطية. المؤسسة التنموية تموّل مشاريع ومؤسسات غير حكومية، وشعار هذه المؤسسة «من الشعب الأميركي» منتشر حول العالم. حتى البيض العضوي الذي يُنتج في جنوب لبنان، مثلاً، يحمل ختم «usaid»، لأن الشعب الأميركي ـ قسماً بمونسانتو* ـ لا ينام الليل إذا لم نأكل البيض العضوي.

كانت بوليفيا قد سبقت الإكوادور في طرد «usaid» في شهر أيار من عام ٢٠١٣. في ٢٠١٠ منعت الحكومة الفنزويلية المنظمات اللاحكومية المحلية من تلقي أي تمويل من الخارج. طبعاً، ليست «usaid» إلا واحدة من العديد من المؤسسات التي تدّعي الإنسانية والحنية والشفقة، والاهتمام برعاية من هم غير قادرين على رعاية أنفسهم. في أحسن الأحوال، إذا افترضنا حسن النية، تنتقي هذه المؤسسات نخبة معينة وتدرّبها على التقدم، تماماً كحضانة الأطفال. ولا نتكلم هنا على حضانة أطفال «مونتيسورية» حيث يترك للطفل بعض الخيارات، بل هي حضانة تكوينية تخرّج جيل من «القادة» الذين برعوا في الدروس الملقنة من قبل خبراء الوكالات الأجنبية الذين هم أدرى بشؤون الشعب من الشعب نفسه.
هذا في أحسن الأحوال وإن لم نسئ الظن. نخبة الشباب تتخرّج وتنتقل إلى وظائف تنموية لا حكومية ومشروطة، بحيث لا تحرج أفعال القادة الشباب ممولي المنظمة. في أفضل الأحوال تفرّغ هذه المنظمات الحكومة والسياسة من النخب القيادية، وذلك طبعاً بعد جبل هذه النخبة بالطينة «الإن جي أوية» وإفراغها من أي إبداع تنموي أو سياسي.
أما إذا أسأنا الظن، وهناك معطيات كثيرة تدفع نحو التشكيك بنيات الذراع التنموية للاستعمار العسكري والاقتصادي، فهناك مثال ما حدث في كوبا. كوبا أصلاً خارج فلك «usaid»، لكن هذا لم يمنع المنظمة من دفق خيراتها على الجزيرة الكاريبية. فبحسب تقرير لوكالة «الأسوشييتد برس» نشر في شهر نيسان الماضي، قام مكتب المبادرات الانتقالية في «usaid» في ابتداع «زونزونيو»، وهو عبارة عن برنامج شبيه بموقع «تويتر» للتدوين المصغر، ولكنه يعمل عبر نظام الرسائل القصيرة للهواتف الجوالة بدلاً من الإنترنت. وذلك طبعاً لأن «متحف الثورة الاشتراكية» في كوبا لا يثق بالإنترنت ومشغليها ولا بجمهور الثورة الذي تحرص القيادة على حمايته من تغريدات الرفيق الاشتراكي وليد جنبلاط.
مشروع واشنطن التخريبي لم ينجح إلا بإغناء شركة «كرياتيف أسوشيتس إنترناشيونال» التي طورت البرنامج مقابل مليار ونصف مليار دولار، وهي تجني المليارات من عقود أخرى مع الحكومة الأميركية. لكنه نجح بفضح نيات هذا المكتب الناشط في أكثر من مكان في العالم، بشرط أن تكون هناك «مصلحة وطنية» لواشنطن «واحتمال لتغيير حكومي»، وذلك وفقاً للعقد الموقع مع الشركة المنفذة.
غالباً ما تَتَّبِع وزارة الخارجية الأميركية ومخابراتها أُسلوب قالب الكعك في استنساخ تجاربها في أكثر من ناحية في إمبراطوريتها. مثلاً، وفقاً لوثائق مسربة من البطلة الأميركية، تشيلسي مانينغ، عبر موقع «ويكيليكس»، كان لهذا المكتب دور فعّال في محاولة انقلاب فاشلة ضد تشافيز في فنزويلا.
وفقاً للوثيقة رقم «09beirut444_a» الموقعة من السفيرة الأميركية السابقة في عوكر، ميشيل سيسون، كانت موازنة ٢٠٠٨-٢٠٠٩ لمكتب المبادرات الانتقالية في «usaid» في لبنان سبعة ملايين دولار، وكانت سيسون تطلب المبلغ نفسه للاستمرار في العمل حتى عام ٢٠١١. المكتب ما زال ناشطاً في لبنان حتى اليوم.

*إحدى أضخم شركات الزراعة التجارية في الولايات المتحدة والعالم